كتاب الصيام
قال المؤلفُ: يجبُ صومُ شهرِ رمضانَ على كلّ مسلمٍ مُكَلَّفٍ ولا يصحُّ منْ حائضٍ ونفساءَ ويجبُ عليهِما القَضَاءُ.
الشرح: صومُ رمضان واجبٌ لأنه أحد أعظم أمور الإِسلام الخمسة وهو أفضل الشهور, كما أن أفضل الليالي ليلةُ القدر, وكما أَنَّ يوم عرفة أفضل أيَّام العام, وكما أنَّ يوم الجمعة أفضل أيَّام الأسبوع؛ وإنّما يجب الصوم باستكمال شعبان ثلاثين يوما أي من إبتداء رؤية هلال شعبان أو برؤية عدلِ شهادةٍ هلالَ رمضان بعد الغروب أي إذا شهد الشاهد العدل1,والعدل هو من سلم من الكبائر ومن غلبة الصغائر على طاعاته مع كونه ملتزماً بمروءة أمثاله أي لا يشتَغِلُ بنحو تطييْر الحمام ولا يُكثر من الروايات المضحكة التي ما فيها ثمرة ولو كانت مباحةً ولا يكثر من لعب الشطرنج وأمثال ذلك. ومهنة الزّبال تمنع العدالة في باب الشّهود إلا أن ساقتْه الضرورة لذلك فلا يكون ذلك خارماً لمروءته,كأن لم يجد ما يتقوّت به غير هذا فدَخلَ فيه. ومما يُخِلُّ بالمروءة أيضاً الرّقصُ وإن لم يكن من النوع المحرَّم, وكذلك الذي يأكلُ ماشياً في السوقِ وهو ليس من أهل السّوق, أما في البريّة فقد كان الصحابة يأكلون وهم يمشون,فإذا شهد عدلٌ على هذه الصفة بأنّه شاهد هلال رمضان ثبت الصيام في حقّ نفسه وفي حقّ غيره,وشهادتُه تكونُ بأن يقول أشهدُ أني رأيتُ هلالَ رمضانَ الليلة أما لو قال علمتُ أنه هِلالُ رمضانَ الليلة فلا يَثبتُ بقوله هذا.
-----------------------------------------------------------------
(1) عدل الشهادة هو الذي ثبت عند القاضي عدالته وأما عدل الرواية هو الذي تقبل روايته وهذا لا يشترطأن تثبت عدالته عند القاضي.
-----------------------------------------------------------------
وفي كتاب شرح روض الطالب ممزوجًا بالمتن ما نصه1 : ((فرعٌ: لو لم يعتقد غداً أوّل رمضان أو اعتقده لا بسبب وفي نسخة بلا سبب ونوى الصوم جازماً بالنيّة صورة أو متردّداً كأن قال ليلة ثلاثي شعبان أصوم غداً إن دخل رمضان, سواء أقال معه وإلا فأنا مفطر أو متطوع أم لا لم تجزه وإن دخل رمضان لأن الأصل عدم دخوله ولأنه صامَ شاكّاً ولم يعتمد سبباً.والجزمُ في الأولى كلا جزم لأنه إذا لم يعتقده من رمضان بسبب لم يتأت منه الجزم حقيقة وإنما يحصل له حديث نفس لا اعتبار به, فإن اعتقده أوّل رمضان بسبب كأن اعتقده بخبر من يثق به من نحو امرأة أو عبيد أو صبيان ذوي رشد يعني مختبرين بالصدق وجزم بنيّة الصوم أجزأه إن بَانَ من رمضان لظن أنّه منه حالة النيّة, وللظن في مثل هذا حكم اليقين فتصحّ النيّة المبنية عليه, وجمع العبيد والصبية ليس بمعتبر, ففي المجموع لو أخبره بالرؤية من يثق به من حرّ أو عبد أو امرأة أو فاسقٍ أو مراهق ونوى صوم رمضان فبان منه أجزأه لأنه نواه بظن وصادفه فأشبه البينة, ولو تردد والحالة هذه والأنسب ردد فقال أصوم غداً عن رمضان فإن لم يكن منه فهو تطوع وبان منه لم يجزه, كذا نقله الإمام 2 عن ظاهر النص وحكاه عنه الشيخان. قال الإسنوي: والمتجه الإِجزاء لأنّ النيّة معنى قائم بالقلب والتردّد حاصل في القلب قطعاً ذكره أم لم يذكره وقصدُه للصوم إنما هو بتقدير كونه من رمضان فصار كالتردّد في القلب بعد حكم الحاكم اهـ, وذكر نحوه الزركشي قال وهو الموافق لما حكاه الإِمام عن طوائف وكلام الأم مصرح به ولا نقل يعارضه إلا دعوى الإِمام أنّه ظاهر النص وليس كما ادّعى قال: وتعبيره بالتردّد ممنوع فإن هذا ترديد لا تردد,والفرق بينهما أنّ التردد شك لا جزم فيه بأحد الطرفين بخلاف الترديد فإن فيه الجزم بأحدهما لكن مبهماً. انتهى.
-------------------------------------------------------------
(1) شرح روض الطالب (1/412-413).
(2) الإمام هنا إمام الحرمين عبد الملك الجويني.
-------------------------------------------------------------
والحقّ أن في ذلك تردّدّاً وترديداً. ولو عقّب النية بمشيئة زيد ضرّ وكذا بمشيئة الله تعالى إلا أن يقصد التبرّك أو وقوع الصوم وتمامه بها. ذكره في المجموع" انتهى ما جاء في شرح روض الطالب.
ويشترط فيمن يجب عليه الصوم الإِسلام والتكليف أي البلوغ والعقل فلا يجب الصيام على الكافر الأصليّ أداؤه في الدنيا ولا على الصبيّ لكنه يجبُ على الأبوين أن يأمراه بالصوم بعد سبع سنين إن أطاق جسمه وتحمَّل, ولا يجب أيضاً على المجنون, وفي حكم المجنون من شرب شيئاً من المسكرات من غير علم بأنه مسكر.
وأمَّا المرتدُّ فيجبُ عليه أن يقضي ما فاته من الصيام في أيَّام ردَّته هذا عند الإمام الشافعي رحمه الله, وأَمَّا عند الأئمَة الثلاثة مالكٍ وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة فلا يجب عليه قضاء الصيام. ويعاقب الكافر الأصليُّ على ترك الصيام في الآخرة كما يعاقب على ترك الصلاة ونحو ذلك لأنّ الراجح أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
ولا يجب الصوم أيضاً على من لا يطيقه حسًّا لكبرٍ أو مرض لا يُرجى بُرؤه, وكذا من لا يطيقه شرعاً كالحائض والنفساء فإِنَّهما لا يجب عليهما وجوب أداء بل يجب عليهما وجوب قضاء, وكذلك المريض الذي يرجى برؤه.
ويحرم الإِمساك على الحائض والنُّفساء بنيّة الصيام ولا يجب عليهما تعاطي مُفطّر.
ولو ولدت المرأةُ وهي صائمة ولم يخرج منها دم نفاس فإنها لا تفطرإلا إذا كانت القابِلة أدخَلتْ يدَها في الفرج. ولو رأت الصائمة قليلاً من الدم في وقت عادتها فلها أن تُفطر في حال نزول الدم أما إن رأت ذلك في غير وقت عادتها فلا تُفطر لمجرد رؤية مَشْحَة دم. ولو نامت الحائض ثم استيقظت بعد الفَجر ودم الحيض منقطع فإنها لا تصوم ذلك اليوم لكن إن شاءت تكف عن الأكل احتياطاً وإن كانت أكلت كان جائزاً, وإذا ظنت الحائض أن الدم سينقطع قبل الفجر على حسب عادتها فنوت الصيام قبل الفجر ونامت فلما استيقظت وجدت أن الدم انقطع فإن كان على حسب عادتها ينقطع الدم في هذا الوقت فنوت بناءً على ذلك صحّ صيامها.
ويجب على الحائض والنفساء وعلى كلّ من أفطر لعذرٍ أو غيره القضاء إلا من افطر لكبرٍ أو مرضٍ لا يرجى برؤه كالفالج ونحوه فإنه ليس عليهما إلا الفدية فلو دفع الفدية ثم تعافَى بعد ذلك فليس عليه قضاء.