معنا الآن السؤال السابع:
من أعدل ملوك زمانه وأجلهم وأفضلهم. مداوما للجهاد, كان يتمنى الشهادة, وأدركها على فراشه فقضى بالخوانيق مبطونا فلذلك دعاه المسلمون بالشهيد. بنى الربط والبيمارستانات ووقف وقوفا على المرضى, وبنى الجسور والطرق والخانات ووقف كتبا كثيرة على طلبة العلم, وجاهد في مواقع كثيرة وكسر أعداء المسلمين واستولى على أكثر من خمسين موقعا من حصون وقلاع كانت بأيديهم, وكان زاهدا, عابدا, عالما بالفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة. محبا للتصوف، ءاخذا عن علماء الأشاعرة، أسقط ما كان يؤخذ من الناس من المكوس, وهو أول من بنى دارا للحديث, وقام بالأعمال الخيرية من عدل وإحسان مما جعل المؤرخين يضعونه في مرتبة عالية، للشعراء فيه مدائح كثيرة منها قول الشاعر القيسراني:
ذو الجهادينِ من عدوٍّ ونفسٍ .. فهوَ طولَ الحياةِ في هيجاءِ
أيها المالكُ الذي ألزمَ الناسَ .. سلوكَ المحجةِ البيضاءِ
قد فضحتَ الملوكَ بالعدلِ لما .. سرتَ في الناسِ سيرةَ الخلفاءِ
وكان محبا للتصوف معظما للصوفية، فكان يبتني لهم الخانقاهات، ويقدمهم في مجالسه، فقد جاء في الروضتين في أخبار الدولتين: "قال [أي ابن الأثير]: وبنى الربط والخانقاهات في جميع البلاد للصوفية ووقف عليها الوقوف الكثيرة وأدر عليهم الإدرارات الصالحة وكان يحضر مشايخهم عنده ويقربهم ويدنيهم ويبسطهم ويتواضع لهم وإذا اقبل أحدهم إليه يقوم له مذ تقع عينه عليه ويعتنقه ويجلسه معه على سجادته ويقبل عليه بحديثه". اهـ.
وكان يجتهد في حضور مجالس الصوفية والاتعاظ بسلوكهم، وقد ذكر المؤرخون أنه استقدم الصوفي الكبير الشيخ قطب الدين النيسابوري إلى دمشق وأولى إليه عقد مجالس الوعظ وواظب على حضورها بنفسه، مستزيدا من بركاتهم، يقول صاحب [الروضتين]: "أحيا معالم الدين الدوارس وبنى للأئمة المدارس وأنشأ الخانقاهات للصوفية، وواظب على عقد مجالس الوعاظ ونصب الكرسي لهم في القلعة للإنذار والاتعاظ وأكبرهم الفقيه قطب الدين النيسابوري وهو مشغوف ببركة أنفاسه واغتنام كلامه واقتباسه". اهـ. نقله عن العماد.
وكان يدافع عن الصوفية وينتصر لهم، وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ما نصه: "وقد نال بعض الأمراء عنده من بعض العلماء وهو قطب الدين النيسابوري فقال له: "ويحك! إن كان ما تقول حقا فله من الحسنات الكثيرة ما ليس عندك مما يكفّر عنه سيئات ما ذكرت إن كنت صادقا على أني والله لا أصدقك وإن عدت ذكرته أو أحدا غيره بسوء لأدبتك". قال: فكف عنه ولم يذكره بعد ذلك". اهـ.
وكان معظّما لعلماء الإسلام من أهل السنة والجماعة، ويذكر المؤرخون في هذا المقام إمام العلماء -الأشاعرة- في زمانه الحافظ ابن عساكر علي بن الحسن بن هبة الله إمام الأشاعرة في عصره ومصنف كتاب [تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري] رحمه الله تعالى، فقد بنى له السلطان دار الحديث التي اشتهرت وأوكل إليه مشيختها والاشتغال بالتدريس فيها. يقول [التاج السبكي] في [الطبقات] ما نصه: "وكان الملك العادل قد بنى له دار الحديث فدرّس بها إلى حين وفاته". اهـ. ويقول ابن الاثير المؤرخ: "إنها اول دار للحديث بنيت في الإسلام على ما يُعلم". اهـ.
وكان يجلس في هذه الدار بين يدي إمام الأشاعرة في زمانه، الحافظ ابن عساكر.
وهو من شجع الحافظ ابن عساكر على إتمام كتابه تاريخ دمشق، يقول الحافظ ابن عساكر في خطبة كتابه تاريخ دمشق: "ورقي خبر جمعي له [أي لتاريخ دمشق] إلى الملك العادل وبلغني تشوقه إلى استنجازه والاستتمام فراجعت العمل به راجيا الظفر بالتمام". اهـ.
وقد نقل أصحاب التاريخ أنه كان شديدا على رجل أظهر شيئا من التشبيه فعذبه وعزّره ونفاه من دمشق كلها، ففي الروضتين: "قال وحكي أن إنسانا بدمشق يعرف بيوسف بن ءادم كان يظهر الزهد والنسك وقد كثر اتباعه أظهر شيئا من التشبيه فبلغ خبره [السلطان] فأحضره وأركبه حمارا وأمر بصفعه فطيف به في البلاد جميعه ونودي عليه هذا جزاء من أظهر في الدين البدع، ثم نفاه من دمشق فقصد حران وأقام بها إلى أن مات". اهـ.
فمن هو؟