لما كانت النية في العمل الصالح من جملة ما فرضه الله تعالى ليكون العمل صحيحا مقبولا عنده، جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم ما يبيّن ما لها من مكانة فقال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى".
والنية -كما هو معلوم- مكانها القلب، فمن نوى بقلبه عند الصلاة أن يصلي الظهر مثلا من غير أن ينطق بلسانه فهذا نوى. وعلى هذا فالنية المقصودة بالحديث الشريف: "إنما الأعمال بالنيات" المراد بها العزم والقصد بالقلب، لا بمجرد النطق دون أن يعزم بقلبه.
ولما كان الصيام إحدى هذه العبادات، كان لا بد من النية فيه لصحته، ويجب في رمضان تبييت النية أي إيقاعه ليلا قبل الفجر، فلو غربت الشمس على الصائم فنوى قبل أن يتعاطى مُفطرا صوم اليوم التالي عن رمضان، ثم لم يُعِد هذه النية بعد الأكل كفته هذه النية. وقد نص الشافعي رضى الله عنه أن النية تجب لكل يوم من أيام رمضان، والأكمل في النية أن يقول بقلبه: "نويت صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة إيمانا واحتسابا لله تعالى" والاحتساب -كما قال العلماء- هو طلب الأجر والثواب.
وأما قول بعض الناس في أول ليلة من رمضان : نصوم غدا إن كا ن رمضان، فإن هذه النية لا تصح لأنها مقرونة بالشك، فلا بد من التحري في ليلة اليوم الأول والتيقن من أن الصيام قد ثبت.
ثبوت الصيام
وأما كيفية ثبوت الصيام فإنها معلومة من الحديث الشريف الذي رواه البخاري: "لا تَقَدَّموا رمضان بيوم أو يومين، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" أما الحديث الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن خُزيمة وأبو يعلى من حديث ابن عباس، فهو بلفظ: "فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا".
ولفظ الطيالسي هو: "ولا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان". ولأبي داود من حديث عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، يصوم لرؤية الهلال فإن غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثين يوما ثم صام". وقال ابن عمر رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدُرُا عليه". متفق عليه.
لقد بينت لنا هذه الأحاديث الشريفة أن رمضان لا يثبت بالحساب وإنما برؤية الهلال أو بإكمال ثلاثين يوما من شعبان إن حال حائل دون رؤية الهلال. وقد وَضّح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسئلة مزيد توضيح فيما رواه عنه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "نحن أمة أُمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا". وليس هذا الحديث نفيا مطلقا للكتابة والحساب عن أُمّة محمد صلى الله عليه وسلم، بل المراد منه أن المسلمين ليسوا مكلفين بحساب مواقع النجوم وحركتها لإثبات أوائل الشهور وأواخرها ولا سيما شهر رمضان المبارك. والحاسب أو المُنَجّم هو الذي يعتمد منازل القمر والنجوم لحساب أول الشهر.
ويزيد المسئلة توضيحها ما نصه فقهاء المذاهب الأربعة على أن وجوب صوم رمضان لا يثبت بقول المنجمين. فقد ذكر ابن عابدين -وهو
حنفي المذهب- في كتاب [
رد المحتار على الدر المختار] في الجزء الثاني ما نصه: "قوله ولا عبارة بالمؤقتين، أي في وجوب الصوم على الناس، بل في المعراج لا يعتبر قولهم بالإجماع ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه". ثم يقول في نفس الصحيفة: "ووجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية بقوله: نحن أُمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر، هكذا وهكذا".
وفي كتاب [
أسنى المطالب في شرح روض الطالب] للشيخ زكريا الأنصاري -وهو
شافعي- يذكر في الجزء الأول ما نصه: "ولا عبرة بالمنجم، أي بقوله، فلا يجب به الصوم ولا يجوز. والمراد باللآية:
{وبالنجم هم يهتدون} الاهتداء في أدلة القبلة وفي السفر".
وفي كتاب حاشية العلامة شمس الدين الشيخ محمد عرفة الدسوقي -
المالكي المذهب- على [
الشرح الكبير لأبي البركات سيدي أحمد الدردير]، الجزء الأول ما نصه: "قوله: لا بالمنجم، وهو الذي يحسب قوس الهلال هل يظهر في تلك الليلة أو لا. وظاهره أنه لا يثبت بقول المنجم ولو وقع في القلب صدقه". وفي هامشه: "لا يثبت رمضان بمنجم أي بقوله لا في حق غيره ولا في حق نفسه". وأما البهوتي -وهو
حنبلي المذهب- فيذكر في كتاب [
كشاف القناع عن متن الإقناع] الجزء الثاني ما نصه: "وإن نواه أي صوم يوم الثلاثين من شعبان بلا مستند شرعي من رؤية هلاله أو إكمال شعبان أو حيلولة غيم أو قتر غبار أو نحوه كأن صامه لحساب ونجوم ولو كثرت إصابتهما لم يجزئه صومه لعدم استناده لما يعول عليه شرعا".
بعد هذه الأدلة الشرعية عُلِم أن اعتماد بعض من الناس على حساب المنجمين، محتجين بأن علم الفلك قد تقدم اليوم، فلا عبرة لكلامه هذا لأن الحساب والمنجمين كانوا موجودين في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك منع الشرع من الاعتماد على حساباتهم، بل المستند الشرعي في ذلك أمران: رؤية هلال رمضان، وإلا فإكمال شعبان ثلاثين يوما.
والصيام لغةً الإمساك ومنه قوله تعالى إخبارا عن قول مريم عليها السلام:
{إني نذرت للرحمن صوما} [سورة مريم] أي إمساكا وسكوتا عن الكلام، والصيام شرعا إمساك مخصوص في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة بنية.
إن وجوب صوم رمضان ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فمن الكتاب قول تعالى:
{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة] ومن الحديث الصحيح: "بُني السلام على خمس" وذكر منها صوم رمضان. فمن جحد وجوبه فقد كذب الشريعة ومن لم يصمه بلا عذر كسفر ولم ينكر وجوبه فهو من أهل الكبائر.
نسأل الله تعالى أن يُعلمنا ما جهلنا وينفعنا بم علمنا، ويعيد شهر رمضان على المؤمنين في أقطار الأرض بالأمن والبركة والخيرات، إنه سميع قريب مجيب الدعوات.
والله تعالى أعلم وأحكم.