بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على طه الأمين، وبعد أعزائي: مع أخبارِ الليلةِ الثانيةِ سننتقلُ بكم لنخوضَ أغوارَ كتابِ "العرائس" للإمامِ العلامةِ أبي الفرجِ ابنِ الجوزي وننتقي منهُ قصةً غريبةً عجيبةً، ومفادها أن أحدَ طلبةِ العلمِ خرجَ من بلادهِ فرافقَ شخصًا في الطريقِ، فلما كان قريبًا من المدينةِ التي قصدَها قال له الشخص: قد صارَ لي عليكَ حقٌ وذِمام، وأنا رجلٌ من الجانِ ولي إليك حاجة فقال: وما هي؟ قال: إذا أتيتَ إلى مكان كذا وكذا فإنك تجدُ فيهِ دجاجًا بينها ديك، فاسأل عن صاحبِهِ واشترِه منه واذبحهُ فهذهِ حاجتي إليك، فقال له: يا أخي وأنا أيضًا أسألك حاجة، قال: وما هي؟ قال: إذا كان الشيطانُ ماردًا لا تَعملُ فيه العزائمُ وألحّ بالآدميّ منا فما دواؤهُ؟
قال: دواؤهُ أن يؤخذ لهُ وَتَرٌ قدْر شبرٍ من جلدِ يَحمور، واليحمورُ دابةٌ وحشيةٌ لها قَرنان، وقيل هي الحمارُ الوحشي، ويُشدُ بهذا القدرِ من جلدهِ إبهاما المصاب من يديهِ شدًّا وثيقًا ثم يُؤخذُ له من دهنِ السَذابِ البري، فيُقطَّرُ في أنفهِ الأيمن أربعًا، وفي الأيسرِ ثلاثًا، فإن الماسكَ به يموتُ ولا يعودُ إليه بعدهُ، وتابعَ الرجلُ الإنسيّ كلامَهُ فقال: فلما دخلتُ المدينةَ أتيتُ ذلك المكانَ فوجدتُ الديكَ عند عجوز فسألتُها بيعهُ فأبت فاشتريته منها بأضعافِ ثمنهِ، فلما اشتريتُه وملكتُهُ تمثلَ لي الجني متشكلاً من بعيدٍ، وقال لي بالإشارةِ إذبحهُ فذبحتُه، فعند ذلك خرجَ عليَّ رجالٌ ونساءٌ فجعلوا يضربونني ويقولون عني: يا ساحر فقلتُ: لست بساحر، فقالوا: إنك منذُ ذبحتهُ (أي الديك) أصبتَ عندنا شابةً بجنيّ وإنه منذ أمسكَها لم يفارقْها.
فطلبَ منهم الرجلُ الإنسيُ وترًا قدرَ شبرٍ من جلد يحمورٍ وشيئًا من دهن السذابِ البريّ فأتوا بهما فشد إبهامي يدي الشابة شدًّا وثيقًا، فلما فعلَ بها ذلك صاحَ الجنيُ من داخلها قائلاً: أنا علمتُك على نفسي، ثم قطرَ الإنسيُ من الدهنِ في أنفها الأيمنِ أربعًا، وفي الأيسر ثلاثًا فخرَّ الجني ميتًا من وقتِهِ وساعتهِ، وشفى اللهُ تعالى تلك الشابة ولم يعاودُها بعدَهُ شيطان. |