بلوغ المرام في أوصاف ورؤية النبي المصطفى في المنام
الحمد لله رب العالمين، الذي أنعم علينا بعثة سيدنا محمد سيد الأنبياء والمرسلين وإمام المجاهدين وسراج المتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم المرسلين وتاج العارفين وأشرف الأنبياء وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين.
الله عظّم قدر جاه محمد ... وأناله فضلاً لديه عظيما
في محكم التنزيل قال لخلقهِ ... صلوا عليه وسلموا تسليما
سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه هو أفضل الخلق وحبيب الحق سبحانه وتعالى، وهو أكرم خلق الله تعالى على الله عز وجل، وقد أمر الله سبحانه بتعظيمه وتوقيره في القرءان الكريم، قال تبارك وتعالى: {إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزّروه وتوقروه} [سورة الفتح] ومعنى {وتعزروه} أيوتعظموه، فسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام هو خير مولود عرفه هذا العالم وهو صلى الله عليه وسلم سيد عظماء البشر وسيد الكرام وهو صلى الله عليه وسلم سبب في وجود هذه الدنيا، لأنه ورد في الحديث الشريف أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام: "لولا محمد ما خلقتك" ومعناه خلقت الدنيا لأظهر محمدًا صفوتها أي هو أشرف الخلائق صلى الله عليه وسلم.
إخوة الإيمان، إن رؤية النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في المنام على صورته الحقيقية خير عميم ونعمة كبيرة من الله عز وجل وهي بشارة عظيمة للرائي بأنه يموت على الإسلام وهي بشارة له أيضًا بأنه سيرى سيد الخلق محمدًا صلى الله عليه وسلم في اليقظة وبأم عينيه، فقد ورد في الحديث الشريف أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من رءاني في المنام فسيراني في اليقظة فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي" وقد قال العلماء الأجلاء إن المعنى بشرى للرائي بأنه لا بد أن يرى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في اليقظة في حياته ولو قبل موته وهو على فراش الموت، ولا يرى الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام بعد وفاته أحد في اليقظة إلا ويكون مؤمنًا، فتكون إذًا رؤية النبي العظيم صلى الله عليه وسلم في المنام بشارة للرائي بأنه سيموت على الإيمان بإذن الله تعالى، وهي أيضًا بشارة عظمى للرائي بأنه سيرى الرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة وبأم عينيه ولو قبل موته وهو على فراش الموت والله عز وجل قادر على كل شيء لا يعجزه شيء.
فقد ورد وبالإسناد المتصل أن رجلاً كان في عصر السلف أي في وقت قريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد نحو مائة وخمسين سنة، وهذا الرجل يُسمى الحسن بن حي وكان من العلماء العاملين ومن أهل الحديث الاتقياء وله أخ مثله، فهذا الحسن لما كان على فراش الموت سمعه أخوه يقرأ قول الله تعالى: {ومن يُطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُنَ أولئك رفيقًا} [سورة النساء] وكان أخوه بجانبه فقال له: يا أخي تتلو تلاوة أم ماذا؟ قال: لا، إني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك إليّ ويبشرني بالجنة وأرى الملائكة وأرى الحور العين فهذه الحادثة تبين لنا الوعد الذي وعد به الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام أمته عندما قال في الحديث الشريف: "من رءاني في المنام فسيراني في اليقظة".
إخوة الإيمان، إن رؤية النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام في المنام على صورته الحقيقية جائزة في الشرع وليست بمستحيلة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "من رءاني في المنام فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتزيّا بي" وفي الحديث المذكور ءانفًا: "فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي" من هنا أخذ العلماء الاجلاء أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام على صورته الحقيقية والمذكورة في كتب الحديث، فلا يجوز لهذا الرائي أن يشك هل هذا الذي رءاه الرسول صلى الله عليه وسلم أم غيره لأن الله سبحانه وتعالى لم يعط الشيطان القدرة على أن يتشكل بصورة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
إخوة الإيمان، إذا كانت رؤية النبي عليه الصلاة والسلام في المنام على صورته الحقيقية بشرى عظيمة للرائي فما أحوجنا أن نتعرف على أوصاف نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم الخلقية التي وردت في كتب الحديث الشريف، ووصفه بها الصحابة الكرام عليهم السلام الذين تمتعوا برؤيته المباركة صلى الله عليه وسلم وكحلوا بطلعته وصورته البهية أعينهم.
أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية
يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "ما بعثَ الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت وإن نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا". لقد كان نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم أجمل الناس خلقًا وخُلقًا، كان عليه الصلاة والسلام ربعة إلى الطول ولم يكن قصيرًا بل كان معتدلاً، وكان بعيد ما بين المنكبين، وكان أبيض الوجه مشربًا بالحمرة ولم يكن أسمر، كان مشرق الوجه كأن الشمس تجري في وجهه صلى الله عليه وسلم، وكان طويل الذراع، سواء البطن والصدر ليس له بطن ناتئ عن صدره، وكان شديد سواد الشعر، وكان شعره صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى شحمة أذنه ووصل أحيانًا إلى عاتقه، وشعره صلى الله عليه وسلم لم يكن جعدًا ولا سبطًا مسترسلاً بل كان شعره عليه الصلاة والسلام حلقًا حلقًا، ولم يدخل الشيب في شعره إلا في نحو عشرين شعرة قسم في أول رأسه وقسم في لحيته، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أجلى الجبهة لا ينزل شعر من رأسه على جبهته الشريفة، وكان صلى الله عليه وسلم واسع الجبين، دقيق الحاجبين لم يكن غليظهما، وكان صلى الله عليه وسلم أكحل العينين، أهدب الأشفار أي كثير شعر الجفون، أشكل العينين أي في بياض عينيه خطوط حمر، وكان صلى الله عليه وسلم أقنى الأنف أي ليس في طرف أنفه نتوء عن أعلاه بحيث لا يكون جميلاً، وكان صلى الله عليه وسلم شثن الكفين والقدمين أي لم يكن نحيف الكفين والقدمين، وكان صلى الله عليه وسلم متماسك البدن لم يكن نحيفًا ولا سمينًا، وكان صلى الله عليه وسلم واسع العينين وحاجباه متقاربان، وكان صلى الله عليه وسلم فصيح اللسان جهير الصوت لم يكن صوته ضعيفًا. يقول واصفه أبو هريرة رضي الله عنه: "ما رأيت شيئًا أحسن من النبي صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه" وكان رضي الله عنه يقول: "ما رأيت قبله ولا بعده مثله".
وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أنه كان طيب الرائحة سواء تطيب أم لم يتطيب، وكانت رائحته أطيب من رائحة المسك أو العنبر أو غيرهما من الأطياب الزكية، وها هي السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم جعلت تنظر يومًا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم متحيرة في كمال جماله صلى الله عليه وسلم وتقول:
وأجمل منك لم تر قط عينٌ *** وأكمل منك لم تلد النساءُ
ولقد وصف بعض الصحابة الأجلاء النبي صلى الله عليه وسلم وصفًا بديعًا رائعًا فقال: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله [اللمة الشعر الذي يقرب بالمنكب]، مرفوع القامة أبيض اللون، جميل الصورة، فصيح الكلام، كاملا في ذاته، مكملا في أوصافه الخلقية، ما خلق الله قبله ولا بعده مثله في الأنام، عظيم الرأس، أسود الشعر، تتيه في محاسنه العقول الذكية، وتتحير في كمال جماله الأفهام، قمري الجبين حواجبه هلالية، كحيل الطرف، أهدب العينين وظريف القوام وأبيض الخدين، مشربًا بالحمرة، وجهه كأنه البدر ليلة التمام، يجري الحسن في خديه كما تجري الشمس في مشارقها الفلكية، كوكبي الأنف يزول من ضياء طلعته الظلام، وإذا تكلم خرج النور من ثناياه اللؤلؤية، مُفلج الأسنان، خاتم الفم سلسبيل الريق جميل الابتسام، عظيم اللحية، معتدل العنق في صفاء الفضة النقية، وإذا نامت عيناه فقلبه الشريف لا ينام، عطوف رؤوف، رحيم كريم، الصلاة والسلام عليكم يا سيدي يا سيد العالمين، ويا سيد الأولين والآخرين كلما طلعت شمسٌ أو غربت ما جاد سحاح الغمام.
يا أكمل الخلق يا من لا مُضاهي له
... يا كامل الحُسن أنت السؤل والأربُ
جمعتَ في الحسن أوصافًا كما جُمعتْ
... لك الملاحةُ يا من عشقُه يجبُ
هذه أوصاف نبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه الخلقية وصفته الأصلية التي من رءاه عليها في المنام فله البشارة.
وقال جمهور العلماء من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ولو على غير صورته الأصلية فقد حصلت له البشرى بالوفاة على الإيمان، ولا بد أن يراه قبل أن يموت ولو على فراش الموت يقظة.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمتعنا برؤية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في المنام على هيئته وصورته الأصلية فنحظى بالبشرى العظمى والحظ الأوفر إنه على كل شيء قدير وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.