الأسئلة الشائعة التقويم بحث متقدم العضو المميز انشط قسم المشرف المميز الموضوع المميز جعل جميع المنتديات مقروءة التّسجيل
 




العودة   منتديات السنا - منتدى أهل السنة والجماعة > قسم منتديات النخبة > منتدى المكتبة Library

المشاركة في الموضوع
 
LinkBack خيارات الموضوع طريقة العرض
 
قديم 27-10-2006, 01:31 PM   #61
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

العلامة المحدث اللغوي
محمد مرتضى الزبيدي الحسيني


ترجمته:

قال القاضي ابن الحاج في "الإشراف على من بفاس من مشاهير الأشراف" من ذرية زيد الشهيد يعني ابن علي زين العابدين بن الحسين عليهم السلام، خاتمة الحفاظ بالديار المصرية الشيخ مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي" اهـ. الواسطي العراقي تأصلاً، الهندي مولدًا، الزبيدي تعلمًا وشهرة "وزبيد باليمن"، المصري وفاة، الحنفي مذهبًا، القادري إرادة، النقشبندي سلوكًا، الأشعري عقيدة، ولج في سنة ألف ومائة وخمس وأربعين للهجرة، قال الجبرتي: هكذا سمعته من لفظه ورأيته.

أصله من "بلجرام" قصبة على خمسة فراسخ من "قنوج" وراء نهر "جمج" بالهند، وبها ولد سنة ألف ومائة وخمس وأربعين للهجرة كما أرّخ إجازته لعمر بن حمودة الصفار التونسي.

كان رحمه ربعة، نحيف البدن، ذهبي اللون، متناسب الأعضاء معتدل اللحية، وقد خطه الشيب في أكثرها، مترفهًا، في ملبسه، ويعمّ مثل أهل مكة عمامة منحرفة بشاش أبيض ولها عذبة مرخية، ولها حبة وشراريب طولها قريب من فتر وطرفها الآخر داخل طي العمامة، وبعض أطرافه ظاهر. كان لطيف الذات حسن الصفات بشوشًا بسومًا وقورًا محتشمًا مستحضرًا للنوادر والمناسبات، ذكيًا فطنًا ألمعيًا، روض فضله نضير، وماله في سعة الحفظ نظير.


مشايخه:

اشتغل على المحدث محمد فاخر بن يحيى، والدهلوي فسمع عليه الحديث وأجازه، ثم ارتحل لطلب العلم، فدخل زبيد وأقام بها مدة طويلة حتى قيل له الزبيدي وبها اشتهر، حجّ مرارًا وأخذ عن نحو من ثلاثمائة شيخ ذكرهم في معاجمه الكبير والصغير وألفية السند وشرحها، حتى قال عن نفسه في ألفيته:

وقل أن ترى كتابًا يُعتمد *** إلا ولي فيه اتصال بالسند
أو عالمًا إلا ولي إليه *** وسائطٌ توقنني عليه

ورد إلى مصر في تاسع صفر سنة ألف ومائة وسبع وستين، وسكن بخان الصاغة، وأول من أخذ عنه السيد علي المقدسي الحنفي من علماء مصر، وحضر دروس أشياخ الوقت كالشيخ أحمد الملوي، والجوهري والحنفي والبليدي والصعيدي والمدابغي، وتلقى عنهم وأجازوه وشهدوا بعلمه وفضله وجودة حفظه. واعتنى بشأنه "اسماعيل كتخدا عزبان" وأولاه بره حتى راج أمره، واشتهر ذكره عند العام والخاص، ولبس الملابس الفاخرة وركب الخيول المسومة، وسافر إلى الصعيد ثلاث مرات، واجتمع بأعيانه وأكابره وعلمائه، وأكرمه شيخ العرب همام، وإسماعيل أبو عبد الله وأبو علي وأولاد نصير وأولاد وافي وهادوه وبرّوه. كذلك ارتحل إلى الجهات البحرية مثل دمياط ورشيد والمنصورة.


ثناء العلماء عليه:

قال تلميذه الجبرتي في تاريخه: "لم يزل المترجم يحرص على جمع الفنون التي أغفلها المتأخرون، كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائف طرائق المستحدثين المتأخرين بالمتقدمين، وألّف كتبًا ومنظومات وأراجيز جمّة، وذكر أنه أحيا إملاء الحديث على طريق السلف في ذكر الأسانيد والرواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة. وكان إذا دعاه أحد الأعيان المصريين إلى بيوتهم، يذهب مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملي وكاتب الأسماء، فيقرأ لهم شيئًا من الأجزاء الحديثية بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده، وبناته ونساؤه من خلف الستائر، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات واليوم والتاريخ، ويكتب الشيخ تحت ذلك "صحيح ذلك" وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمان السالف كما رأيناه في الكتب القديمة" اهـ.

وأثنى عليه تلميذه الوجيه عبد الرحمن الأهدل فقال: "إمام المسندين خاتمه الحفاظ المحدثين المعتمدين".

وقال عنه من أعلام المغرب الحافظ ابن عبد السلام الناصري في رحلته لما ترجمه فيها: ألفيته عديم النظير في كمال الاطلاع والحفظ واللغة والأنساب، فهو والله سيوطي زمانه، انخرق له من العوائد ما انخرق لابن شاهين وابن حجر والسيوطي.

وقال عنه أبو الربيع عبد الرحمن الحَوّات في "السر الظاهر" الإمام الحافظ النسابة ملأ البسيطة بعلومه ومعارفه، أمتع الله به اهـ.

وقال عنه محدث الشام الوجيه عبد الرحمن الكزبري: "إمام المسندين وخاتمة المحدثين".

وقال عنه عالم مصر الشمس محمد بن علي الشواني الأزهري: "شيخ الإسلام علامة الأنام ناشر لواء السنة المحمدية، وواصل الأسانيد النبوية أبو الجود وأبو الفيض" وقد ترجمه من متأخري المصريين محمد إبراهيم فني المصري في جزء صغير سماه "الجوهر المحسوس في ترجمة صاحب القاموس".

كذلك ترجمه تلميذه الجبرتي في تاريخه لكنه ما سلم من حسده.

وكانت سُنة الإملاء قد انقطعت بموت الحافظ ابن حجر وتلاميذه كالسخاوي والسيوطي وبهما ختم الإملاء، فأحياه الزبيدي، ووصلت أماليه إلى نحو أربعمائة مجلد، كان يملي كل اثنين وخميس فقط.


صيته وشهرته:

كان لعظم شهرته يكاتبه ملوك النواحي من الترك والحجاز والهند واليمن والمغرب والسودان وفزان والجزائر واستجازوه. وممن أخذ عنه من ملوك الأرض، خليفة الإسلام في وقته السلطان عبد الحميد الأول ووزيره الأكبر محمد باشا بالمكاتبة، وكذلك انجذب إليه بعض الأمراء الكبار مثل مصطفى بك السكندراني وأبي أيوب الدفتردار فسعوا إلى منزله لحضور مجالس درسه، وواصلوه بالهدايا الجزيلة فاشترى الجواري، وعمل الأطعمة للضيوف، وأكرم الواردين والوافدين من الآفاق البعيدة، وحضر عبد الرزاق أفندي الرئيس من الديار الرومية إلى مصر، وسمع به، فحضر إليه، والتمس منه الإجازة وقراءة مقامات الحريري، فكان يذهب إليه بعد فراغه درس شيخون، ويطالع له ما تيسر من المقامات ويفهمه معانيها اللغوية.


كتبه ومصنفاته:

أهمها: "تاج العروس في شرح القاموس"، طبع، "اتحاف السادة المتقين" وهو شرح إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، "أسانيد الكتب الستة"، طبع، "عقود الجواهر الحنفية في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة"، مجلدان، طبع، "كشف اللثام عن ءاداب الإيمان والإسلام"، "رفع الشكوى وترويح القلوب في ذكر ملوك بني أيوب"، "معجم شيوخه"، "ألفية السند" وهو في الحديث يحتوي على 1500 بيت وشرحها، "مختصر العين" وهو مختصر كتاب العين المنسوب للخليل بن أحمد، "التكملة والصلة والذيل للقاموس"، مجلدين، "إيضاح المدارك بالافصاح عن العواتك"، "عقد الجمان في بيان شعب الإيمان" رسالة، "تحفة القماعيل في مدح شيخ العرب إسماعيل"، "تحقيق الوسائل لمعرفة المكاتبات والرسائل"، "جذوة الاقتباس في نسب بني العباس"، "حكمة الإشراف إلى كتاب الآفاق"، "الروض المعطار في نسب ءال جعفر الطيار"، "مزيل نقاب الخفاء عن كنى سادتنا بني الوفاء"، "بُلغة الغريب في مصطلح ءاثار الحبيب"، "تنبيه العارف البصير على أسرار الحزب الكبير"، "سفينة النجاة المحتوية على بضاعة مزجاة من الفوائد المنتقاة"، "غاية الابتهاج لمقتفي مسلم بن الحجاج"، "نشوة الارتياح في بيان حقيقة الميسر والقداح"، "العرائس المجلوة في ذكر أولياء فوة"، "لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة"، طبع.


وفاته:

أصيب رحمه الله بالطاعون في شعبان سنة ألف ومائتين وخمس للهجرة بعد أن صلى الجمعة في مسجد الكردي القريب من داره، فدخل داره واعتُقل لسانه في تلك الليلة وتوفي يوم الأحد. فأخفت زوجته الثانية وأقاربها نبأ موته حتى نقلوا الأشياء النفيسة والمال والذخائر والأمتعة والكتب ثم أشاعوا موته يوم الاثنين، وخرجوا بجنازته، وصلوا عليه ودفن بقبر كان قد أعده لنفسه في حياته بجانب زوجته بالمشهد المعروف بالسيدة رقية بنت علي بن أبي طالب. ولم يعلم بموته أهل الأزهر ذلك اليوم لاشتغال الناس بأمر الطاعون، ولم يترك ابنًا ولا بنتًا.

ذكر الحسن الحريري وكان من خاصته وممن يخدمه أنه حضر إليه في يوم السبت في موضه قبل وفاته وطلب الدخول لعيادته، فأدخلوه عليه، فوجده راقدًا معتقل اللسان، وزوجته وأصهاره في كبكبة واجتهاد في إخراج ما في داخل والخبايا والصناديق إلى الليوان، ووجد أكوامًا من الأقمشة الهندية والكشمير وأشياء في ظروف وأكياس وساعات العلب الثمينة، قال الحريري: فجلست عند رأسه وأمسكت يده ففتح عينيه ونظر إلي وأشار كالمستفهم عما هم فيه "يعني زوجته وأهلها" ثم أغمض عينيه رحمه الله.

اللهم اجز سيدنا مرتضى الزبيدي عنا كل خير واحشرنا معه في الفردوس الأعلى.



أخي الكريم أختي الكريمة هل أديتما الصلاة الواجبة ؟


إخواني وأخواتي بارك الله فيكم جميعا لا تأخذوا بما أقوم بطباعته من الكتب إلا بعد أن تحرروا ما فيها، فلعل في بعضها خطأ أو سقط في طباعتها شيء، أو احتوت من هذا القبيل خطأ كالذي يقع به الناسخ، فانتبهوا من ذلك قدر جهدكم ودمتم سالمين، وأذكركم بقول أبي حيان:

يظنُّ الغمْرُ أنَّ الكتْبَ تهدي .. أخا جهل لإدراكِ العلومِ
وما يدري الجهولُ بأنَّ فيها .. غوامض حيَّرتْ عقلَ الفهيمِ
إذا رمتَ العلومَ بغير شيخٍ .. ضللتَ عن الصراطِ المستقيمِ

 
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 27-10-2006, 07:35 PM   #62
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

الدرر النادرة في أعيان الأشاعرة


جمهور الأئمة الإسلامية أشاعرة


يكفي لبيان فضل الإمام الأشعري أن على مذهبه في الاعتقاد علماء مئات الملايين من المسلمين في الشرق والغرب تدريسًا وتعليمًا، ويشهد بذلك الواقع المشاهد، ويكفي أيضًا لبيان حقية مذهبه في الاعتقاد كون هؤلاء الحفاظ الذين هم رءوس أهل الحديث الحافظ أبو بكر الإسماعيلي صاحب المستخرج على البخاري، ثم الحافظ العلم المشهور أبو بكر البيهقي، ثم الحافظ الذي وُصف بأنه أفضل المحدثين بالشام في زمانه ابن عساكر أشاعرة، كان كل واحد من هؤلاء علمًا في الحديث في زمانه ثم جاء من هو على هذا المنوال الحافظ الموصوف بأنه أمير المؤمنين في الحديث أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المكنيُّ بأبي الفضل.

فمن حقق عرف أن الأشاعرة هم فرسان ميادين العلم والحديث وفرسان ميادين الجهاد والسنان، ويكفي أن منهم أبا الحسن الباهلي، وأبا إسحاق الإسفرايني، والحافظ أبا نعيم الأصبهاني، والقاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبا محمد الجويني وابنه أبا المعالي إمام الحرمين، وأبا منصور التميمي البغدادي والحافظ الدارقطني، والحافظ الخطيب البغدادي، والأستاذ أبا القاسم القشيري وابنه أبا نصر، والشيخ أبا إسحاق الشيرازي، ونصر المقدسي، والفراوي، وأبا الوفاء بن عقيل الحنبلي، وقاضي القضاة الدامغاني الحنفي، وأبا الوليد الباجي المالكي، والإمام السيد أحمد الرفاعي، والحافظ أبا القاسم بن عساكر، وابن السمعاني، والحافظ السلفي، والقاضي عياض، والنووي، والإمام فخر الدين الرازي، والعز بن عبد السلام، وأبا عمرو بن الحاجب المالكي، وابن دقيق العيد، والإمام علاء الدين الباجي، وقاضي القضاة تقي الدين السبكي، والحافظ العلائي، والحافظ زين الدين العراقي وابنه الحافظ ولي الدين، وخاتمة اللغويين الحافظ مرتضى الزبيدي، والشيخ زكريا الأنصاري، والشيخ بهاء الدين الرواس الصوفي، ومفتي مكة أحمد بن زيني دحلان، ومسند الهند ولي الله الدهلوي، ومفتي مصر الشيخ محمد عليش المالكي المشهور، وشيخ الجامع الأزهر عبد الله الشرقاوي، والشيخ المشهور أبا المحاسن القاوقجي نقطة البيكار في أسانيد المتأخرين، والشيخ حسين الجسر الطرابلسي صاحب "الرسالة" و"الحميدية"، والشيخ عبد اللطيف فتح الله مفتي بيروت، والشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت، والشيخ محمد بن درويش الحوت البيروتي وابنه عبد الرحمن نقيب أشراف بيرون، والشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت، والشيخ أبا محمد الويلتوري المليباري الهندي وقد ألف رسالة سماها "العقائد السنية ببيان الطريقة الأشعرية"، والقاضي الجليل ابن فرحون المالكي، والقاضي أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني، والحافظ ابن فورك، وأبا حامد الغزالي، وأبا الفتح الشهرستاني، والإمام أبا بكر الشاشي القفال، وأبا علي الدقاق النيسابوري، والحاكم النيسابوري، والحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، والشيخ محمد بن منصور الهدهدي، والشيخ أبا عبد الله محمد السنوسي، والعلامة علوي بن طاهر الحضرمي الحداد صاحب التآليف الكثيرة، والعلامة المتفنن والفقيه المحقق الحبيب بن حسين بن عبد الله بلفقيه، والمفسر محمد بن علان الصديقي الشافعي وجميع السادة الحضارمة من ءال علوي، والسقاف، والجنيد، والعيدروس، وشافعي العصر رفاعي الأوان الشيخ الفقيه المحدث الأصولي عبد الله الهرري وغيرهم من أئمة الدين كثير لا يحصيهم إلا الله.

ومنهم الوزير المشهور نظام الملك والسلطان العادل العالم المجاهد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين الخير فإنه أمر أن تذاع أصول العقيدة على حسب عبارات الأشعري على المنابر بعد أذان الفجر وأن تُعلم المنظومة التي ألفها له ابن هبة الله المكي للأطفال في الكتاتيب. ومنهم الملك الكامل الأيوبي، والسلطان الأشرف خليل بن المنصور سيف الدين قلاوون بل وكل سلاكين المماليك رحمهم الله.

ومنهم السلطان محمد العثماني فاتح القسطنطينية الذي جاء فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش" رواه أحمد، وكذا سائر السلاطين العثمانيين الذين ذابوا عن عقيدة المسلمين وحموا حمى الملة قرونًا متتالية رحمهم الله.

وليس مرادنا بما ذكرنا إحصاء الأشاعرة فمن يحصي نجوم السماء أو يحيط علمًا بعدد رمال الصحراء؟! ولكن ما ذكرناه بنبئ عن المراد كما بنبئ عنوان الكتاب على مضمونه.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 28-10-2006, 06:58 AM   #63
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

اعتقاد الأشعري هو اعتقاد أهل السنة والجماعة


قال السبكي في الطبقات: "واعلم أن أبا الحسن الأشعري لم يبتدع رأيًا ولم يُنشِ مذهبًا وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك به، وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعريًا" اهـ.

وقال في موضع ءاخر: "قال المآيرقي المالكي: ولم يكن أبو الحسن أول متكلم بلسان أهل السنة إنما جرى على سنن غيره وعلى نصرة مذهب معروف فزاد المذهب حجة وبيانًا، ولم يبتدع مقالة اخترعها ولا مذهبًا به، ألا ترى أن مذهب أهل المدينة نسبة إلى مالك، ومن كان على مذهب أهل المدينة يقال له مالكي، ومالك إنما جرى على سنن من كان قبله، وكان كثير الاتباع لهم إلا أنه لما زاد المذهب بيانًا وبسطًا عُزي إليه، كذلك أبو الحسن الأشعري لا فرق، ليس له في مذهب السلف أكثر من بسطه وشرحه وما ألفه في نصرته" اهـ.

ويقول الشيخ عز الدين بن عبد السلام في عقيدته: "واعتقاد الأشعري رحمه الله مشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون".

ويقول الشيخ قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب السبكي ما نصه: "وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يدٌ واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله" ثم يقول بعد ذلك: "وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة" اهـ.

ويقول أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: "الأشعرية أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كان يقرر عين ما يقرره الأشعري أبو الحسن في مذهبه" اهـ.

وقال القاضي ابن فرحون المالكي في ترجمة الإمام الأشعري ما نصه: "صنف لأهل السنة التصانيف وأقام الحجج على إثبات السنن وما نفاه أهل البدع" ثم قال: "فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة العقلية، ودفع شبه المعتزلة ومن بعدهم من الملحدة، وصنف في ذلك التصانيف المبسوطة التي نفع الله بها الأمة، وناظر المعتزلة وظهر عليهم، وكان أبو الحسن القابسي يثني عليه وله رسالة في ذكره لمن سأله عن مذهبه فيها أثنى عليه وأنصف، وأثنى عليه أبو محمد بن أبي زيد وغيره من أئمة المسلمين" اهـ.

ويقول الشيخ محمد الحوت البيروتي ما نصه: "المالكية والشافعية أشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، والحنفية ماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي وهما إماما أهل السنة والجماعة" اهـ.

ويقول الشيخ محمد أمين الشهير بابن عابدين الحنفي في رد المحتار على الدر المختار: "أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة الماتريدية" اهـ.

ويقول أبو عبد الله الطالب بن حمدون المالكي في حاشيته على ميارة عن الأشعري: "أنه أول من تصدى لتحرير عقائد أهل السنة وتخليصها ودفع الشكوك والشبه عنها وإبطال دعوى الخصوم" اهـ.

ولقد أنصف الحبيب عبد الله بن علوي الحداد حين قال: "إن الحق مع الفرقة الموسومة بالأشعرية نسبة إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله الذي رتب قواعد عقيدة أهل الحق وحرر أدلتها، وهي العقيدة التي أجمعت عليها الصحابة ومن بعدهم من خيار التابعين وهي عقيدة أهل الحق من أهل كل زمان ومكان، وهي عقيدة جميع أهل التصوف كما حكى ذلك أبو القاسم القشيري في أول رسالته، وهي بحمد الله عقيدتنا وعقيدة إخواننا من السادة الحسينيين المعروفين بآل أبي علوي، أسلافنا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، ثم أنشد:

وكُن أشعريًا في اعتقادك إنه *** هو المنهل الصافي عن الزيغ والكفر

أما اليخ الفقيه عبد الله العيدروس الأكبر فذكر في كتابه الكبريت الأحمر أن عقيدتهم عقيدة أهل السنة والجماعة فقال: "اعتقادنا اعتقاد الأشعرية، ومذهبنا مذهب الشافعية على مقتضى الكتاب والسنة" اهـ.

وإجمال اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى الذي هو اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مُقدر، ولا يشبه شيئًا ولا يُشبهه شيء {ليس كمثله شي وهو السميع البصير} [سورة الشورى/ءاية11]، قديم لا بداية لوجوده، دائم لا يطرأ عليه فناء، لا يعجزه شيء، لا تحيط به الجهات، كان قبل أن كوَّن المكان بلا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا يقال متى كان ولا أين كان ولا كي، لا يتقيد بالزمان ولا يتخصص بالمكان، تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الجلوس والمماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام، حي، عليم، قادر، سميع، بصير، متكلم وكلامه قديم كسائر صفاته لأنه سبحانه مباين لجميع المخلوقات في الذات والصفات والأفعال. ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، وأنه سبحانه وتعالى خلق الخلق وأعمالهم، وقدّر أرزاقهم وءاجالهم، لا دافع لما قضى ولا مانع لما أعطى، يفعل في ملكه ما يريد لا يُسئل عما يفعل وهم يسئلون، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه سبحانه موصوف بكل كمال يليق به منزه عن كل نقص في حقه، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، مبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، صادق في كل ما يبلغه عن الله تعالى.

وقد ألف الحافظ مؤرخ الشام أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي كتابًا في الدفاع عن الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، ذكر فيه مشاهير العلماء والحفاظ الأشاعرة في عصره، وأسماه "تبيين كذب المفتري فيما نُسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري" وقد طبع، وألف الشيخ محمد بن داود البازلي المتوفى سنة تسعمائة واثنتين وخمسين للهجرة كتابًا أسماه "مناقب أبي الحسن الأشعري" وهو مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق، وكذا الشيخ عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني القاضي أيام السلطان صلاح الدين الأيوبي فقد جمع رسالة في ذلك تسمى "رسالة في الذب عن الأشعري رضي الله عنه" وقد طبعت سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وعشرين للهجرة.

وقد ذبّ عنه وبرّأه مما نسب إليه المبتدعة الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته "شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة" وهي مسطّرة برمّتها في طبقات الشافعية للسبكي. وذب عنه أيضًا الحافظ البيهقي في كتابه إلى الوزير العميد وهو مذكور في الطبقات أيضًا.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 30-10-2006, 07:13 PM   #64
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

إمام الحق والهدى أبو الحسن
علي بن إسماعيل الأشعري



ترجمته:

هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أمير البصرة بلال بن أبي بردة بن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري اليماني البصري، وفي قومه نزل قول الله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [سورة المائدة/ءاية:54]. فيشير صلى الله عليه وسلم بعد نزولها إلى أبي موسى الأشعري قائلاً: "هم قوم هذا وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعري"، ولما نزلت هذه الآية قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن فكان لهم بلاء حسن في الإسلام فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا الإيمان يمان والحكمة يمانية.." كما أخرج البخاري في صحيحه عن عمران بن الحصين أن النبي أتاه أناس من بني تميم فقال عليه الصلاة والسلام: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا بشرتنا فأعطنا مرتين فتغير وجهه، فجاءه أناس من أهل اليمن فقال: "يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم" قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره". وفيه دليل على أن الله موجود في الأزل قبل خلق الأماكن والأزمان وقبل الخلق كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ليس له كمية صغيرة ولا كبيرة.

ولد الإمام أبو الحسن الأشعري سنة ستين ومائتين للهجرة بالبصرة، وقيل سنة سبعين، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وقيل سنة أربع وعشرين وقيل سنة ثلاثين ببغداد.

جده أبو موسى ممن يؤخذ عنهم الفتيا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أحسن الناس صوتًا في قراءة القرءان، ويُنسب إلى الجماهر بن الأشعر، والأشعر من أولاد سبأ الذين كانوا باليمن، هاجر أبو موسى الأشعري مع أخويه في بضع وخمسين من قومه إلى أرض الحبشة وأقاموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حتى قدموا جميعًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر. رزق من الأولاد والاحفاد مع الدراية والرواية والرعاية ما يكثر نشره، وأساميهم في التواريخ مثبتة، إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الاشعري رضي الله عنه.

كان أبو الحسن الأشعري سنيًا من بيت سنّة ثم درس الاعتزال على أبي علي الجبائي وتبعه في الاعتزال حتى صار لهم إمامًا، ثم تاب ورقيّ كرسيًا في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإني أعرّفه بنفسي، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرءان وأن الله لا تراه الأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع، معتقدٌ للرد على المعتزلة مخرجٌ لفضائحهم ومعايبهم.

قال الفقيه أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى نشأ الأشعري فحجزهم في أقماع السماسم.


ثناء العلماء عليه:

وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: واعلم أن أبا الحسن الأشعري لم ينش مذهبًا إنما هو مقرر لمذاهب السلف مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعريًا. اهـ.

قال المؤرخ أبو محمد عبد القادر القرشي الحنفي في كتابه "الجواهر المضية في طبقات الحنفية": "صاحب الأصول الإمام الكبير". وأثنى عليه الشيخ عبد الرحيم الأسنوي الشافعي في طبقات الشافعية فقال: "هو القائم بنصرة أهل السنة، القامع للمعتزلة وغيرهم من المبتدعة بلسانه وقلمه، صاحب التصانيف الكثيرة، وشهرته تغني عن الإطالة بذكره"، ومدحه أبو بكر ابن قاضي شهبة أيضًا في طبقات الشافعية بقوله: "الشيخ أبو الحسن الأشعري البضري إمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين، والذاب عن الدين".

أما اليافعي فقال في "مرءاة الجنان": "الشيخ الإمام ناصر السنة وناصح الأمة، إمام الأئمة الحق، ومدحض حجج المبتدعين المارقين، حامل راية منهج الحق ذي النور الساطع والبرهان القاطع".

وقال أبو الفتح الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل": "الأشعرية أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبي الحسن في مذهبه".

وقال الاستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله: "اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري كان إمامًا من أئمة أصحاب الحديث ومذهبه مذهب أصحاب الحديث تكلم في أصول الدين على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدع وكان على المعتزلة والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين عن الملة سيفًا مسلولاً، ومن طعن فيه أو قدح أو لعنه أو سبه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة" اهـ.

وترجمه الحافظ أبو بكر البغدادي في "تاريخ بغداد" بقوله: "أبو الحسن الأشعري المتكلم صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة" اهـ.

ووصفه المؤرخ ابن العماد الحنبلي بالإمام العلامة البحر الفهامة المتكلم صاحب المصنفات ثم قال: "ومما بيّض به وجوه أهل السنة النبوية وسوّد به رايات أهل الاعتزال والجهمية فأبان به وجه الحق الأبلج، ولصدور أهل الإيمان والعِرفان أثلج، مناظرته مع شيخه الجبائي التي قصم فيها ظهر كل مبتدع مرائي" اهـ.

وأورده شمس الدين بن خلكان في الأعيان ووصفه بقوله: "صاحب الأصول، والقائم بنصرة مذهب أهل السنة، وإليه تنسب الطائفة الأشعرية، وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه" اهـ.

وأجاب قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني الحنفي على سؤال ورده ببغداد ونصه: "ما قول السادة الأئمة الأجلة في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعري وتكفيرهم، ما الذي يجب عليهم؟، فأجاب بقوله: "قد ابتدع وارتكب [أي كل لاعن لفرقة الأشاعرة] ما لا يجوز، وعلى الناظر في الأمور أعز الله أنصاره الإنكار عليه وتأييده [أي تأييد الإنكار بالحجج] بما يرتدع به هو وأمثاله عن ارتكاب مثله".

وبعده كتاب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعليقًا على الجواب المذكور: "الأشعرية أعيان أهل السنة وأنصار الشريعة انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية وغيرهم فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كل أحد".

ووقّع على هذا الجواب أيضًا بالموافقة الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي تلميذ الشيخ أبي إسحاق.

وقد صنف الشيخ العلامة ضياء الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن يوسف بن عمر القرطبي رسالة سماها "زجر المفتري على أبي الحسن الأشعري" رد فيها على بعض المبتدعة الذين هجوا الإمام الأشعري، ولما وقف عليها الشيخ تقي الدين بن دقيق قرَّظها.

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "واعتقاد الأشعري رحمه الله مشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون" ويقول رضي الله عنه في ءاخر عقيدته: "فهذا جملة من اعتقاد الاشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف واهل الطريقة والحقيقة" ويقول تاج الدين عبد الوهاب السبكي أيضًا: "وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله". ثم يقول: "وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة". ويقول الشيخ محمد العربي التبّان شيخ المالكية في الحرم المكي: "فحول المحدثين من بعد أبي الحسن إلى عصرنا هذا أشاعرة وكتب التاريخ والطبقات ناطقة بذلك".

قال الأستاذ الإمام الإسفراييني الفقيه الأصولي: "كنت في جنب الشيخ الباهلي كقطرة في البحر، وسمعت الشيخ أبا الحسن الباهلي يقول: كنت أنا في جنب الشيخ الأشعري كقطرة في جنب البحر".

وقال البيهقي: "إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله فلم يُحدث في دين الله حدثًا، ولم يأتِ فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها، بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قاله في الأصول وجاء به الشرع صحيح في العقول خلاف ما زعم أهل الأهواء، فكان في بيانه تقوية لنصره أهل السنة والجماعة من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين، وأحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث كالبخاري ومسلم إمامي أهل الآثار وحفاظ السنن التي عليها مدار الشرع رضي الله عنهم أجمعين.

وقال لسان الأمة القاضي أبو بكر الباقلاني: "أفضل أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن".

وقال تاج الدين السبكي: "لو أردنا استيعاب مناقب الشيخ الأشعري لضاقت بنا الأوراق، وكلّت الأقلام، ومن أراد معرفة قدره، وأن يمتلئ قلبه من حبه فعليه بكتاب "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري" الذي صنفه الحافظ ابن عساكر الدمشقي فهو من أجلّ الكتب، وأعظمها فائدة وأحسنها"، قال ابن أبي الحجاج الأندلسي في فهرسته: "لو لم يكن للحافظ ابن عساكر من المنّة على الأشعري إلا هذا الكتاب لكفى به".

وقد افتتح ترجمته بقوله: "شيخنا وقدوتنا إلى الله تعالى الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري شيخ طريقة أهل السنة والجماعة وإمام المتكلمين وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدين والساعي في حفظ عقائد المسلمين سعيًا يبقى أثره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، إمام حبر وتقي بر، حمى جناب الشرع من الحديث المفترى وقام في نصرة ملة الإسلام فنصرها نصرًا مؤزرًا وما برح يدلج ويسير وينهض بساعد التشمير حتى نقَّى الصدور من الشبه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ووقى بأنوار اليقين من الوقوع في ورطات ما التبس فلم يترك مقالاً لقائل وأزاح الأباطيل والحق يدفع تُرَّهات الباطل".

وقد زعم بعض الناس أن الشيخ الأشعري كان مالكيًا وليس ذلك بصحيح، إنما كان شافعيًا تفقه على أبي إسحاق المروزي، نص على ذلك الأستاذ أبو بكر بن فورك في "طبقات المتكلمين" والأستاذ أبو اسحاق الاسفراييني فيما نقله عنه الشيخ أبو محمد الجويني في "شرح الرسالة". أما شيخ الأشاعرة من المالكية فهو الإمام القاضي أبو بكر الباقلاني.


مجانبته لأهل البدع وصحة اعتقاده:

نظر الإمام أبو الحسن الأشعري في كتب المعتزلة والجهمية فوجد أنهم عطلوا وأبطلوا وقالوا والعياذ بالله: "لا علم لله ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا بقاء ولا إرادة". وقالت الحشوية والمجسمة والعياذ بالله: "إن لله علمًا كالعلوم وقدرة كالقُدر وسمعًا كالأسماع وبصرًا كالأبصار"فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال: "إن لله سبحانه وتعالى علمًا لا كالعلوم، وقدرة لا كالقُدَر، وسمعًا لا كالأسماع، وبصرًا لا كالأبصار".

أما جهم بن صفوان فقال: "العبد لا يقدر على إحداث شيء ولا على كسب شيء". وقالت المعتزلة والعياذ بالله: "هو [أي العبد] قادر على الإحداث والكسب معًا". فسلك رضي الله عنه طريق بينهما فقال: "العبد لا يقدر على الإحداث ويقدر على الكسب" ونفى قدرة الإحداث وأثبت قدرة الكسب. وقالت الحشوية المشبهة والعياذ بالله: "إن الله سبحانه يُرى مكيفًا محدودًا كسائر المرئيات"، وقالت المعتزلة والجهمية والنجارية والعياذ بالله: "إنه سبحانه لا يُرى بحال من الأحوال". فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال: "يُرى من غير حلول ولا حدود ولا تكييف، وهو غير محدود ولا مُكيف فكذلك نراه وهو غير محدود ولا مُكيَّف".

وقالت النجارية والعياذ بالله: "إن الله بكل مكان من غير حلول ولا جهة"، وقالت الحشوية والمجسمة والعياذ بالله: "إنه سبحانه حالٌ في العرش، وإن العرش مكان له وهو جالس عليه"، فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال: "كان ولا مكان، فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه".

وقالت المرجئة والعياذ بالله: "من أخلص لله سبحانه وتعالى مرة في إيمانه لا يكفر بارتداد ولا كفر ولا يكتب عليه كبيرة قط"، وقال المعتزلة: "إن صاحب الكبيرة مع إيمانه وطاعاته مائة سنة لا يخرج من النار قط"، فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال: "المؤمن الموحد الفاسق هو في مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عاقبه بفسقه ثم أدخله الجنة".

وأما ما تزعم المجسمة من أن الإمام الأشعري قرر في كتابه الإبانة ما يوافق التجسيم وأن الله حال في السماء فهو مدفوع بأن النسخ التي يعتمدون عليها في نسبة ذلك إليه مدسوسة عليه ولا يستطيعون أن يظهروا نسخة موثوقًا بها إنما هذه النسخة عمل بعض المجسمة، فهل يعقل أن تكون مثل هذه العبارة من كلام أبي الحسن الأشعري وهي: اتفق المسلمون في دعائهم على قول يا ساكن السماء، فهذه فرية ظاهرة يكفي لكونها كذبًا وافتراء عليه أن هذا لا يُعرف عن أحد من الأشاعرة خواصهم وعوامهم، بل ولا عن أحد ممن سبق أبا الحسن الأشعري ولا من لحقه من أهل الإسلام في الزمن الماضي والحاضر.


اجتهاده في العبادة وزهده في الدنيا:

كان الشيخ أبو الحسن الأشعري عجيبًا في الذكاء وقوة الفهم وتبحره في العلم، وكان قريبًا من عشرين سنة يصلي صلاة الصبح بوضوء العتمة، وكان لا يحكي عن اجتهاده شيئًا إلى أحد. كان كثير الحياء في أمور الدنيا، ونشيط في أمور الآخرة، وكان يأكل من غلّة ضيعة وقها جده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري على عقبه، وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهمًا لكل شهر درهم وقليل.


مصنفاته:

ذكر الإمام الأشعري رحمه الله في كتابه "العمد في الرؤية" أسماء أكثر كتبه، فمنها: كتاب "الإبانة" و"الفصول في الرد على الملحدين الخارجين عن الملة" كالفلاسفة والطبائعيين الدهريين وأهل التشبيه، والقائلين بأزلية الدهر، وردَّ على البراهمة واليهود والمجوس، وهو كتاب يشتمل على اثنتي عشر كتابًا، وكتاب "إيضاح البرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان" وكتاب "اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع"، و"اللمع الكبير" وكتاب "التفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل" وكتاب "النقض على الجبّائي" والجبائي هذا رأس متكلمي المعتزلة. وكتاب "مقالات المسلمين"، و"جمل المقالات" و"الجوابات في الصفات" و"القامع لكتاب الخالدي"، و"الدافع للمهذب" و"المختصر في التوحيد والقدر" و"كتاب الطبريين" و"جواب المصريين" و"المسائل على أهل التثنية" و"تفسير القرءان" و"زيادات النوادر" و"جوابات أهل فارس" و"الجوهر" و"الاحتياج" و"الأخبار وتصحيحها" و"الإيمان" و"أفعال النبي" و"دلائل النبوة" و"كشف الأسرار" و"الموجز" و"الاحتجاج" و"ثبات القياس" و"النوادر في دقائق الكلام" و"أدب الجدل" و"النقض على البلخي" و"الرد على المجسمة" و"الرد على ابن الرواندي في الصفات والقرءان" و"الاجتهاد في الأحكام" و"الادراك في فنون لطيف الكلام" و"الإمامة" و"التبيين عن أصول الدين" و"خلق الأعمال" و"جواز رؤية الله تعالى بالأبصار" وغيرها كثيرة فقد كان الأشعري رحمه الله مكثرًا في التصنيف ويقال إن تصانيفه بلغت أكثر من ثلاثمائة كتاب ومن شاء فليراجع فقد أورد الكثير منها إسماعيل باشا في كتابه "هدية العارفين" الجزء الأول.

وكتاب "الإبانة" هو من تأليف أبي الحسن، لكن أكثر نسخه سقيمة، وكل النسخ التي تنقل منها المجسمة القدماء وغيرهم غير صحيحة لأنها لم تكن مقابلة بيد ثقة على نسخة قابلها ثقة وهكذا إلى أصل المؤلف الذي كتبه بخطه أو كتبه ثقة بإملاء المؤلف فقابله على المؤلف، وابن عساكر لم يسرد الإبانة كلها وإنما ذكر بعضًا ليس فيه ما هو صريح في التجسيم والتشبيه، بل يوجد في النسخ المطبوعة من الإبانة ما لا يخفى على جميع المسلمين أنه مفترى ولا يُصدق على المبتدئ من طلاب العلم. وفي هذه النسخ السقيمة مما أدخلته الحشوية من الجمل التي لا يقول بها أدنى مسلم فكيف بالإمام الأشعري؟!!! ومما يدل على تبرئة الأشعري من ذلك ما نقله عنه الشيخ ابن فورك رحمه الله فقد جمع كلامه في مؤلَّف وفيه من الكلام ما يدل على أن ما في الإبانة من التجسيم هو مفترى على أبي الحسن رحمه الله. ثم إن الإبانة ليست مؤلف أبي الحسن الوحيد، وليست ءاخر مؤلفاته على الإطلاق، بل مذهب الإمام من الأئمة ما أطبق عليه أصحابه الثقات على نسبته إليه، ومسئلة تنزيه الله عن التحيز في العرش والسماء وغيرهما من الأماكن مما عُرف أنه طريق الأشعري بالتواتر على القطع والجزم فلا وجه للمراء في ذلك.


مشاهير أصحابه:

إن فضل المقتدي يدل على فضل المقتدى به، فمن أصحابه الذين أخذوا عنه ومن أدركه ممن قال بقوله أو أخذ العلم عنه وهم من أعيان الأئمة ومشاهير القوم وقد ذكرهم مؤرخ الشام وحافظها أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر في كتابه الذي ألفه في الدفاع عن الشيخ أبي الحسن الأشعري مع ذكر مناقبه ومؤلفاته وثناء الأئمة عليه، وقد أفرد قاضي القضاة الشيخ تاج الدين ابن الإمام قاضي القضاة تقي الدين السبكي فصلاً خاصًا بذكر أكابر المنتسبين إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري وذلك أثناء ترجمته في كتابه طبقات الشافعية.

* أبو محمد الطبري المعروف بالعراقي، أهل جرجان يعرفونه بالمنجنيقي. وكان ولي قضاء جرجان، وكان فصيح اللسان، يناظر على مذهب الشافعي في الفقه، وعلى مذهب الأشعري في الكلام.
* أبو بكر القفال الشاشي: إمام عصره ببلاد ما وراء النهر للشافعيين، وأعلمهم بالأصول وأكثرهم رحلة في طلب الحديث.
* أبو سهل الصعلوكي النيسابوري وهو فقيه أديب لغوي نحوي شاعر متكلم مفسّر.
* أبو زيد المروزي، وهو أحد أئمة المسلمين ومن أحفظ الناس لمذهب الشافعي وأحسنهم نظرًا وأزهدهم في الدنيا.
* أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي وكان شيخًا بعلوم الظاهر متمسكًا بالشريعة.
* أبو بكر الجرجاني الإسماعيلي، وكان برًا بوالديه لحقته بركة دعائهما.
* أبو الحسن عبد العزيز بن محمد بن إسحاق الطبري: وكان من أعيان أصحاب أبي الحسن، خرج إلى الشام ونشر بها مذهبه.
* أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري، وأبو عبد الله الأصبهاني المعروف بالشافعي، وأبو محمد القرشي الزهري، وأبو بكر البخاري المعروف بالأودني، وأبو منصور النيسابوري، وأبو الحسين بن سمعون البغدادي، وأبو عبد الرحمن الشروطي، وأبو علي الفقيه السرخسي، وأبو بكر البيهقي، وابن عساكر الدمشقي، وأبو الفضل العسقلاني، وأبو الحسن الباهلي، وأبو إسحاق الاسفراييني، والحافظ أبو نعيم، والإمام أحمد الرفاعي، والقاضي عياض، والإمام النووي، والإمام فخر الدين الرازي، وابن دقيق العيد، والحافظ مرتضى الزبيدي، والشيخ زكريا الأنصاري، ومفتي مصر محمد عليش المالكي، وشيخ الجامع الأزهر عبد الله الشرقاوي وغيرهم من أئمة الدين كثير لا يحصيهم إلا الله سبحانه.

قال الإمام أبو نصر القشيري:

شيئان من يعذلني فيهما *** فهو على التحقيق مني بري
حب أبي بكر إمام الهدى *** ثم اعتقادي مذهب الأشعري

وقال بعض أهل العلم:

الأشعرية قوم *** قد وفّقوا للصواب
لم يخرجوا في اعتقاد *** عن سنة أو كتاب

قال الإمام الحزري الاسكندراني:

خذ ما بدا لك أو فدع *** كثرت مقالات البدع
إن النبي المصطفى *** دينًا حنيفيًا شرع
الله أيّد شيخنا *** وبه البرية قد نفع
الأشعري إمامنا *** شيخ الديانة والورع

وقال بعضهم في مدحه:

قل للمخالف يا لُكع *** كُفّ اللسان عن البدع
وذَرِ التعصب جانبًا *** واللعن للعلماء دع
واعلم بأن الأشعري *** عدو أصحاب البدع
فهو المجيدُ الذبّ عن *** سنن الرسول وما شرع
حبر تقي عالم *** جمع الديانة والورع
فعليه رحمة ربه *** ما غاب نجم أو طلع

وبعد.. فإن ما ذكره علماء أهل الحق من معاصري الإمام الأشعري ومن جاء بعدهم في مدح طريقته وصحة اعتقاده ليثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن أبا الحسن الاشعري إمام أهل السنة والجماعة، وأن ما يدعيه المجسمة والمشبهة نفاة التوسل بشأنه ما هو إلا محض افتراء يرمون من وراءه إلى نشر عقائدهم الفاسدة في التشبيه والتجسيم. ومن رام مزيد اطلاع على سيرة إمامنا أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه فنحيله إلى حيث أحال الإمام تاج الدين السبكي في "طبقات الشافعية" المستزيدين من أخبار الأشعري، ونعني بذلك كتاب "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الاشعري" للإمام ابن عساكر الدمشقي.


وفاته:

في تاريخ وفاته اختلاف منها أنه توفي في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وقيل سنة أربع وعشرين، وقيل سنة ثلاثين، توفي رحمه الله ببغداد ودفن بين الكرخ وباب البصرة رحمه الله تعالى.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 30-10-2006, 07:17 PM   #65
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

أبو بكر الجرجاني الإسماعيلي
الإمام الحافظ شيخ المحدثين


ترجمته:

هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الإسماعيلي شيخ الشافعية المولود سنة سبع وسبعين ومائتين للهجرة.

كتب الحديث بخطه وهو صبي مميز، ورحل في طلبه سنة تسع وثمانين وبعدها، أي منذ أن بلغ اثنتي عشرة سنة. ومما جاء في ترجمته في كتاب "تاريخ جرجان" للسهمي قول المؤلف: "سمعت أبي يوسف بن إبراهيم يقول: سمعت أبي إبراهيم بن موسى يقول: كنا جماعة صبيان نختلف من بكر أباذ إلى إبراهيم بن هانئ نتفقه ونتعلم مذهب الشافعي رضي الله عنه، فكان منا مَنْ يسبق أبا بكر الإسماعيلي لكي يتأخر فيما يقرأ، فأبى الله تعالى إلا رفعه ونفعه بما تعلّم".

وجاء في معجمه قوله: "كتبتُ في صغري الإملاء بخطي في سنة ثلاث وثمانين ومائتين، ولي يومئذ ست سنين".

وجاء في "تاريخ جرجان" أيضًا عن أول رحلة له في طلب الحديث إلى الحسن بن سفيان قوله: "فقدمت عليه [أي الحسن بن سفيان] وسألته أن أقرأ عليه المسند فأذن لي، فقرأت عليه جميع المسند وغيره من الكتب، فكان ذلك أول رحلتي في طلب الحديث، ورجعت إلى وطني ثم رجعت إلى بغداد في سنة ست وتسعين ومائتين وصحبني بعض أقربائي".


مشايخه:

روى عنه كثيرين منهم إبراهيم بن زهير الحلواني، وحمزة بن محمد الكاتب، ويوسف بن يعقوب القاضي صاحب "السنن"، وأحمد بن محمد بن مسروق، ومحمد بن يحيى المروزي، والحسن بن علوية القطان، وجعفر بن محمد الغربالي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن شريك، وجعفر بن محمد الليث البصري، والحسن بن سفيان، وأبي يعلى الموصلي، وابن خزيمة، والبغوي، وغيرهم ممن هم في طبقتهم بخراسان والحجاز والعراق والجبال، وأما الذين حدثوا عنه فكثيرون منهم الحاكم النيسابوري، وأبو بكر البرقاني، وحمزة السهمي، وأبو حازم العبدوي، وأبو الحسن محمد بن علي الطبري، والحافظ أبو بكر محمد بن إدريس الجرجاني، وسبطه أبو عمرو وعبد الرحمن بن محمد الفارسي، وكثيرون غيرهم.


ثناء العلماء عليه:

جاء في "سير أعلام النبلاء" في الثناء على الإمام الجرجاني قوله: "قال حمزة بن يوسف: سمعت الدارقطني يقول: قد كنت عزمت غير مرة أن أرحل إلى أبي بكر الإسماعيلي فلم أُرزق".

وقال الحاكم: "كان الإسماعيلي واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء، وأجلهم في الرئاسة والمروءة والسخاء، ولا خلاف بين العلماء من الفريقين وعقلائهم في أبي بكر".

وفي "تاريخ جرجان" للسهمي جاء ما نصه: "سمعت والدي أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم يقول: سمعت أبي إبراهيم بن موسى يقول: كان أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بارًا بوالديه فحقته بركة دعائهما". ونقل ابن عساكر في تبيينه عن الحافظ أبي نصر السجزي أنه قال: "أبو بكر الإسماعيلي شيخ كبير جليل ثقة من الفقهاء والمحدثين في عصره، يرجع إلى علم وافر ومعرفة بالحديث صادقة، ومروءة ظاهرة. وكانت إليه الرحلة في زمانه".

وفي سير الذهبي ورد ما نصه: "قال حمزة: سمعت جماعة، منهم الحافظ ابن المظفر يحكون جودة قراءة أبي بكر، وقالوا: كان مقدمًا في جميع المجالس، كان إذا حضر مجلسًا لا يقرأ غيره".


مؤلفاته:

صنف تصانيف تشهد له بالإمامة في الفقه والحديث، منها "عمل مسند عمر"، صنفه في مجلدتين، و"المستخرج على الصحيح" وهو كتاب وضعه في الحديث على شرط البخاري، ومعجمه الذي جمعه عن نحو ثلاثمائة شيخ.

ويذكر صاحب السير عن سعة علمه ما جاء على لسان حمزة بن يوسف حيث قال: "سمعت الحسن بن علي الحافظ بالبصرة يقول: كان الواجب للشيخ أبي بكر أن يصنف لنفسه سننًا ويختار ويجتهد، فإنه كان يقدر عليه لكثرة ما كتب، ولغزارة علمه وفهمه وجلالته".


وفاته:

توفي رحمه الله في غرة رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة عن أربع وتسعين سنة، وخلف من الاولاد ابنين هما: أبو نصر محمد وأبو سعد إسماعيل، وثلا بنات. فأما أبو نصر فترأس في حياة أبيه وعقد مجلسًا للإملاء سنة ثلاثمائة وست وستين للهجرة.

وأما أبو سعد فقد صار إمامًا في الفقه لم يكن له نظير في زمانه.

وجاء في "تبيين كذب المفتري" ما نصه: "حدثنا أبو اسحاق إبراهيم بن علي الفقيه قال: أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي مات سنة نيف وسبعين وثلاثمائة، وجمع بين الفقه والحديث ورئاسة الدين والدنيا، وصنف الصحيح وأهذ عنه ابنه أبو سعد وفقهاء جرجان".

إنه واحد من أعلام الأشاعرة الذين وقفوا أنفسهم حماة للدين يدافعون عنه شبه المضلين المفسدين، فهل بعد ذلك يكون من الإنصاف في شيء أن يقوم مدعٍ للعلم فيذم الأشاعرة أو يطعن بهم فيطلق عليهم سهام الطعن والتجريح.

رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 30-10-2006, 07:22 PM   #66
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

إبن خفيف الشيرازي
إمام فارس وشيخ الصوفية



ترجمته:

هو أبو عبد الله محمد بن خفيف بن إسفكشاذ الضبي الفارسي الشيرازي شيخ إقليم فارس ورأس الصوفية في زمانه، ولد من أم نيسابورية وأقام بمدينة شيراز. لم تذكر المصادر شيئًا عن وقت ولادته. وقد نقل ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" عن محمد بن حسين السلمي أنه قال: "محمد بن خفيف بن اسفكشاذ الضبي أبو عبد الله المقيم بشيراز. كانت أمه نيسابورية. هو اليوم شيخ المشايخ وتاريخ الزمان، لم يبق للقوم أقدم منه سنًا ولا أتم حالاً ووقتًا، صحب وريمًا والجريري وابن العباس بن عطاء ولقي الحسين بن منصور وهو من أعلم المشايخ بعلوم الظاهر متمسكًا بعلوم الشريعة من الكتاب والسنة وهو فقيه على مذهب الشافعي".


علمه:

تفقّه على أبي العباس بن سريج وحدّث عن حماد بن مدرك وعن محمد بن جعفر التمار والحسين المحاملي وجماعة، وحدّث عنه أبو الفضل الخزاعي والحسن بن حفص الأندلسي وإبراهيم بن الخضر الشياح، والقاضي أبو بكر الباقلاني، ومحمد بن عبد الله بن باكويه. وكان رحل إلى إمام أهل السنة أبي الحسن الأشعري فلازمه فترة وأخذ عنه وكان من أعيان تلامذته.


ثناء العلماء عليه:

وروى ابن باكويه أن ابن خفيف نظر يومًا إلى ابن مكتوم وجماعة يكتبون شيئًا فقال: ما هذا؟ قالوا: نكتب كذا وكذا، قال: اشتغلوا بتعلم شيء ولا يغرنكم كلام الصوفية، فإني كنت أخبئ محبرتي في جيب مرقعي والورق في حجر سراويلي وأذهب في الخفية إلى أهل العلم، فإذا علموا بي خاصموني وقالوا لا يفلح، ثم احتاجوا إليَّ.

ومن ذلك قول الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "قد كان الشيخ قد جمع بين العلم والعمل وعلو السند والتمسك بالسنن، ومُتّع بطول العمر في الطاعة".

ومن أجمل ما قيل فيه ما ذكره التاج السبكي في طبقاته من قوله: "الشيخ أبو عبد الله بن خفيف شيخ المشايخ وذو القدم الراسخ في العلم والدين، كان سيدًا جليلاً وإمامًا حفيلاً، يستمطر الغيث بدعائه، ويؤدب المصر بكلامه، من أعلم المشايخ بعلوم الظاهر وممن اتفقوا على عظيم تمسكه بالكتاب والسنة، وكانت له أسفار وبدايات، وأحوال عاليات ورياضات، وصحب من أرباب الاحوال أحبارًا وأخيارًا، وشرب من منهل الطريق كأسات كبارًا، وسافر مشرقًا ومغربًا، وصابر النفس حتى انقادت له فأصبح مبنى الثناء عليها معربًا، صبر على الطاعة لا يعصيه فيه قلبه، واستمر على المراقبة شهيد عليه ربه، وجنب لا يدري القرار، ونفس لا تعرف المأوى إلا البيداء ولا المسكن إلا القفار".

وقال فيه أيضًا: "بلغ ما لم يبلغه أحد من الخلق في العلم والجاه عند الخاص والعام، [أي في زمانه] وصار أوحد زمانه مقصودًا من الآفاق مفيدًا في كل نوع من العلوم مباركًا على من يقصده، رفيقًا بمريديه يبلغ كلامه مراده".


زهده وتصوفه:

يقول التاج: "كان ابن خفيف من أولاد الامراء، فتزهد حتى قال: "كنت أذهب وأجمع الخرق من المزابل وأغسله وأصلح منه ما ألبسه"، ويروى عنه أنه قال: "ما وجبت علي زكاة الفطر أربعين سنة مع ما لي من القبول العظيم بين الخاص والعام".

ومما يرويه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" عنه قوله: "كنت في ابتدائي بقيت أربعين شهرًا أفطر كل ليلة بكف باقلاء، فمضيت يومًا واقتصدت فخرج من عرقي شبيه ماء اللحم وغشي علي فتحير الفصاد وقال: ما رأيت جسدًا بلا دم إلا هذا".

في كتاب السير للذهبي قول ابن باكويه في ابن خفيف: "سمعت ابن خفيف يقول: كنت في بدايتي ربما أقرأ في ركعة واحدة عشرة ءالاف {قل هو الله أحد} وربما كنت أقرأ في ركعة القرءان كله".

يقول الذهبي: "وروي عن ابن خفيف أمه كان به وجع الخاصرة، فكان إذا أصابه أقعده عن الحركة، فكان إذا نودي بالصلاة يُحمل على ظهر رجل، فقيل له: لو خففت على نفسك، قال: إذا سمعتم: حيَّ على الصلاة ولم تروني في الصف فاطلبوني في المقبرة".


رحلته إلى أبي الحسن الاشعري:

رواها ضياء الدين الرازي أبو الإمام الفخر الرازي في كتابه "غاية المرام في علم الكلام"، والتاج السبكي في طبقاته عن ابن خفيف رضي الله عنه، وهي قصة كلها سجع بدأها بقوله: "دعاني أرب، ولوع ألب، وشوق غلب، وطلب يا له من طلب، أن أحرك نحو البصرة ركابي، في عنوان شبابي، لكثرة ما بلغني، على لسان البدوي والحضري، من فضائل شيخنا أبي الحسن الأشعري، لأستسعد بلقاء ذلك الوحيد، وأستفيد مما فتح الله تعالى عليه من ينابيع التوحيد...". ويكمل ابن خفيف هذه القصة المسجوعة التي نوردها متصرفين فيها وذاكرين ما فيها بغير سجع، فيقول ما معناه: "وصلت إلى البصرة التي وجدتها على ما وصفت لي من الجمال والنظافة ورحابة صدور أهلها. وفيها أنا أدور وأبحث عمن يرشدني إلى الشيخ أبي الحسن، التقيت رجلاً بهي المنظر بين جماعة من أصحابه، فارتحت إليه وعزمت على أن أكلمه فسلمت عليه ورد علي السلام وكلّمني بأجزل الكلام وألطفه، فسألته عن الإمام الأشعري فقال لي: وماذا تريد منه، قلت: قد بلغني ذكره وعلمه فتقت لأن ألقاه وأستفيد من علمه، قال: عد إليّ غدًا باكرًا إلى هذا الموضع فأدلك عليه، فأتيت في اليوم التالي فلقيته في المكان عينه ينتظرني فسلّم عليّ ورددت عليه، ثم مضى وأنا أتبعه حتى دخل دارًا قد حضر فيها جماعة من الناس قد تسارعوا إلى الباب يستقبلونه بالترحاب والتعظيم، وقدموه إلى صدر المجلس ينتظرون حتى بدأ الشيخ يتكلم بلسان يفتق الشعور ويفلق الصخور، وألفاظ أرق من أديم الهواء وأعذب من زلال الماء، ومعانٍ ذات بيان، فكان إذا أوجز أعجز، وإذا أسهب أذهب، فلم يدع مشكلة إلا أزالها ولا فسادًا إلا أصلحه، وسط حيرة الحاضرين وتعجبهم من كلامه، عندها سألت بعض الحاضرين: من هذا الذي كان يتكلم بكلام لم أسمع مثله.

قال: هو الباز الاشهب ناصر الحق وقامع البدعة، إمام الامة وقوام الملة أبو الحسن الاشعري، فسرحت وأمعنت النظر في توسمه وتوقد جذوته، فإذا به يخرج من المجلس فتبعته فنظر إليّ وقال: يا فتى كيف وجدت أبا الحسن، فقلت:

ومسْجل مثل حد السيف منصلتٍ ***** تَزِلُّ عن غربه الألباب والفكرُ
طعنت بالحجة الغراء جيلهُم ***** ورمح غيرك منه العي والحضرُ

لا قام ضدك ولا قعد جدك، ولا فض فوك ولا لحقك من يقفوك، فوالذي سمك السماء وعلم ءادم الأسماء، لقد أبديت اليد البيضاء، وسكنت الضوضاء وكشفت الغماء، ولحنت الدهماء وقطعت الاحشاء وقمعت البدع والأهواء، بيد أنه قد بقي لي سؤال، فقال: اذكره، قلت: رأيت الأمر لم يجر على النظام، لأنك لم تفتتح كلامك بالدليل، فقال: إني في الابتداء لا أذكر الدليل ولا أشتغل بالتعليل، حتى إذا ذكر الخصم ضلالته وأفرد شبهته، أنص حينها على الجواب بالدليل والبرهان" ا.هـ.

قال ابن خفيف: "فتعلقت بأهدابه لخصائص ءادابه، ونافست في مصافاته لنفائس صفاته، ولبثت معه برهة أستفيد منه في كل يوم نزهة، وأدرأ عن نفسي للمعتزلة شبهة. ثم ألفيت مع علو درجته وتفاقم مرتبته، يقوم بتثقيف أوده من كَسْبِ يده، من اتخاذ تجارة العقاقير معيشة، والاكتفاء بها عيشة، اتقاء للشبهات وإبقاء على الشهوات، رضى بالكفاف وإيثارًا للعفاف" ا.هـ.


كرامته:

منها ما ذكره التاج السبكي في الطبقات، وهي أنه ناظر يومًا بعض البراهمة، فقال له البرهمي: إن كان دينك حقًا فتعال اصبر أنا وأنت على الطعام أربعين يومًا، فأجابه ابن خفيف فعجز البرهمي عن إكمال المدة المذكورة وأكملها ابن خفيف وهو طيب مسرور.

ومنها أيضًا عن الطبقات أن برهميًا ءاخر ناظره ثم دعاه إلى المكث معه تحت الماء مدة، فمات البرهمي قبل انتهاء المدة وصبر الشيخ إلى أن انتهت وخرج سالمًا لم يظهر علي تغير.


مؤلفاته:

وأما مصنفاته فكثيرة قال فيها التاج السبكي في طبقاته: "وصنف من الكتب ما لم يصنفه أحد، وعُمِّرَ حتى عمَّ نفعه". ومن الكتب التي صنفها في مختلف العلوم الدينية كتاب "ءاداب المريدين" و"اختلاف الناس في الروح" و"جامع الإرشاد" و"الجمع والتفري" و"الفصول في الأصول" و"فضل التصوف" و"كتاب الاستدراج" و"الاستذكار" و"الإعانة" و"الاقتصاد" و"السماع" وكثير غيرها من بينها ديوان شعر له.


وفاته:

ذكر الصفدي في "الوافي" والذهبي في "سير أعلام النبلاء" وصاحب "كشف الظنون" أنه توفي سنة ثلاثمائة وإحدى وسبعين للهجرة.

وقال الذهبي: "يقال إنه عاش مائة سنة وأربعين سنين، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في ليلة الثالث من شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. والأصح أنه عاش خمسًا وتسعين سنة، وازدحم الخلق على سريره وكان أمرًا عجيبًا. قيل إنهم صلوا عليه نحوًا من مئة مرة.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 30-10-2006, 07:27 PM   #67
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

سيف السنة ولسان الأمة
الإمام أبو بكر الباقلاني


ترجمته:

هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم الباقلاني، ذكر صاحب "معجم المؤلفين" أنه ولد سنة ثلاثمائة وثمان وثمانين هجرية. وهو من أهل البصرة سافر إلى بغداد وسكن فيها.

سمع الحديث في بغداد من أبي بكر بن مالك القطيعي وأبي محمد بن ماسي، وأبي أحمد الحسين بن علي النيسابوري، وأخذ علم الكلام عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد الطائي صاحب الأشعري، وأخذ عنه أئمة منهم أبو ذر الهروي وأبو عمران الفاسي والقاضي أبو محمد بن نصر.


مناقبه:

ويروى أن الهروي سئل: من أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي الأشعري مع أنك هروي، فقال: قدمت بغداد وكنت ماشيًا مع الدارقطني فلقينا أبو بكر بن الطيب فلزمه الدارقطني بعد ما قبّل وجهه وعينه، فلما افترقا قلت من هذا، قال: إمام المسلمين والذاب عن الدين القاضي أبو بكر، فمن ذلك الوقت ترددت عليه وتمذهبت بمذهبه.

وعن فطانته وسعة علومه يروي صاحب "وفيات الأعيان" أنه جرى يومًا بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة، فأكثر القاضي أبو بكر الكلام ووسع العبارة وزاد في الإسهاب، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: اشهدوا عليَّ أنه إن أعاد ما قلت لا غير لم أطالبه بالجواب، فقال الهاروني: اشهدوا عليَّ أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال.

وذكر ابن عساكر الدمشقي في "تبيين كذب المفتري" سعة علمه فقال: "قال أبو الفرج: وسمعت أبا بكر الخوارزمي يقول: كل مصنف ببغداد إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه سوى القاضي أبي بكر، فإن صدره يحوي علمه وعلم الناس". وقال فيه الذهبي في السير ما نصه: "وسمعت علي بن محمد الحربي يقول: جميع ما كان يذكر أبو بكر بن الباقلاني من الخلاف بين الناس صنفه من حفظه، وما صنف أحد خلافًا إلا احتاج إلى أن يطالع كتب المخالفين، سوى ابن الباقلاني" اهـ.

ومن كلام الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" عنه قوله: "وكان كل ليلة إذا صلى العشاء وقضى ورده وضع الدواة بين يديه وكتب خمسًا وثلاثين ورقة تصنيفًا من حفظه، فإذا صلى الفجر دفع إلى بعض أصحابه ما صنفه في ليلة وأمره بقراءته عليه وأملى عليه الزيادات فيه" اهـ.


أقوال المؤرخين والعلماء فيه:

منهم ابن عساكر الدمشقي الذي مدحه في "تبيين كذب المفتري" وبيّن مآثره قائلاً: "فأما علم الكلام فكان أعرف الناس به واحسنهم خاطرًا، أجودهم لسانًا وأوضحهم بيانًا وأصحهم عبارة" وقال: "أخبرني الشيخ أبو القاسم بن نصر في كتابه إليَّ عن القاضي أبي المعالي بن عبد الملك قال: ذكر الشيخ الإمام أبو حاتم محمود بن الحسين القزويني أن ما كان يضمره القاضي الإمام أبو بكر الأشعري رضي الله عنه من الورع والديانة والزهد والصيانة أضعاف ما كان يُظهره". وينقل الحافظ ابن عساكر في الكتاب عن الشيخ أبي الحسن التميمي الحنبلي قوله فيه: "تمسكوا بهذا الرجل فليس للسنة عنه غنى أبدًا".

ومما قاله الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عنه ما نصه: "الإمام العلامة، أحد المتكلمين، مقدَّم الأصوليين، القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم البصري ثم البغدادي، ابن الباقلاني صاحب التصانيف، وكان يضرب المثل بفهمه وذكائه". ومما قاله أيضًا: "وقد ذكر القاضي عياض في "طبقات المالكية" فقال: هو الملقب بسيف السنة ولسان الأمة، المتكلم على لسان أهل الحديث وطريق أبي الحسن، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته".

ومن مآثره ما ذكره ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" وكثيرون غيرهم من أنه أرسل من قبل الملك عضد الدولة إلى ملك الروم، فلما ورد المدينة عُرّف الملك خبره ومكانته من العلم وموضعه وكان هذا الملك يعلم أن المسلمين لا ينجنون أمام مخلوق، فرغب في أن يجعله يركع له إذ كان من عادة رعيته أن تقبل الأرض بين يديه فأمر بأن يوضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب لطيف لا يقدر أحد أن يدخل منه إلا راكعًا، ليدخل منه الإمام الباقلاني على هذا النحو، فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال الباقلاني من الباب، فسار القاضي حتى وصل إلى المكان، فلما رءاه تفكر فيه ثم فطن للأمر فأدار ظهره، وحنا رأسه راكعًا ودخل من الباب وهو يمشي إلى الوراء مستقبلاً الملك بظهره حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه ونصب ظهره وأدار بوجهه حينئذٍ إلى الملك فعجب من فطنته ووقعت هيبته في نفسه.


مؤلفاته:

وقد كثرت تصانيفه في أنواع العلوم ولا سيما الردود على الجهمية والخوارج والكرامية وغيرهم من أهل التحريف، ومن هذه المصنفات: "كيفية الاستشهاد في الرد على أهل الجحد والعناد"، "الأصول الكبير في الفقه"، "مناقب الأئمة"، "الملل والنحل"، "هداية المسترشدين"، "نقض النقض"، "الفرق بين معجزات النبيين وكرامات الصالحين"، "الانتصار"، "التقريب والإرشاد"، "دقائق الكلام"، "الكسب"، "التبصرة"، "تمهيد الدلائل وتلخيص الأوائل"، "إعجاز القرءان"، "الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به"، بالإضافة إلى العديد من المؤلفات النفيسة القيمة.

عقيدته:

لما كان رحمه الله متكلمًا أشعريًا، علمنا أنه كان يدافع عن عقيدة تنزيه الله عن المكان والحد أي الحجم والتشبيه، بدليل ما جاء في كتاب "الإنصاف" تحت عنوان "مسألة في إحالة اتصاف الباري بسمات النقص في حقه جلت صفاته"، فقد قال ما نصه: "ويجب أن يُعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه، فمن ذلك أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات والتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود، لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى/ءاية:11]". ويقول في شأن الاستواء: "ويقول استواؤه لا يشبه استواء الخلق، ولا نقول إن العرش له قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان".

ومن كلامه في تنزيه الله عن الجوارح قوله في الصحيفة سبع وثلاثين من "الإنصاف": "وأن يعلم مع كونه تعالى سميعًا بصيرًا، أنه مدرك لجميع المدركات" إلى أن يقول: "وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها هذه الإدراكات، فتعالى الله عن الجوارح والآلات".

ومن كتاب "تمهيد الأوائل" يقول القاضي رحمه الله: "فإن قال قائل: أين هو قيل له: الأين سؤال عن المكان، وليس هو ممن يجوز أن يحويه مكان ولا تحيط به أقطار".

ومن أقواله رضي الله عنه في "الإنصاف" ما نصه: "وقال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: "من زعم أن الله تعالى في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك، لأنه لو كان على شيء لكان محمولاً، ولو كان في شيء لكان محصورًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا [أي مخلوقًا] والله يتعالة عن جميع ذلك".


وفاته:

قال صاحب الوفيات ما نصه: طوتوفي القاضي أبو بكر المذكور ءاخر يوم السبت ودفن يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة ببغداد، رحمه الله، وصلى عليه ابنه الحسن ودفنه في داره بدرب المجوس، ثم نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب" ورثاه بعض شعراء عصره بقوله:

انظر إلى جبل تمشي الرجال به *** وانظر إلى القبر ما يحوي من الصلف
وانظر إلى صارم الإسلام منغمدًا *** وانظر إلى درة الإسلام في الصدف

وقال ابن عساكر ما نصه: "نُقل إلى باب حرب ودفن في تربة بقرب قبر الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه، ومنقوش على علم عند رأس تربته ما هذه نسخته: هذا قبر القاضي الإمام السعيد فخر الأمة ولسان الملة وسيف السنة عماد الدين ناصر الإسلام أبي بكر محمد بن الطيب البصري قدس الله روحه وألحقه بنبيه محمد صلوات الله عليه وسلامه، ويزار ويُستسقى ويُتبرك به".

وفي الكتاب عينه يروي ابن عساكر أن الشيخ أبا الفضل التميمي حضر يوم وفاته العزاء مع إخوته واصحابه وأمر أن ينادى بين يدي جنازته: هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذي صنف سبعين ورقة ردًا على الملحدين. وقعد للعزاء مع أصحابه ثلاثة أيام فلم يبرح، وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار.

نسأل الله تعالى أن يقيض للمسلمين رجالاً أفذاذًا كمثل القاضي الباقلاني رحمه الله.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 30-10-2006, 07:32 PM   #68
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

أبو بكر بن فورَك
رأس الأشاعرة وشيخ المتكلمين



ترجمته:

هو الإمام الصالح الأديب النحوي المتكلم أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك [ضبطها ابن خلكان والسيوطي وابن العماد وغيرهم بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء، أما الزبيدي فقد ضبطها بضم الفاء وفتحها] الأصبهاني. لم تذكر كتب التراجم شيئًا عن تاريخ مولده أو مكانه، وكل ما ذكر عنه أنه أقام مدة بالعراق يتلقى العلم على المذهب الشافعي في الفقه وعلى العقيدة الأشعرية في الأصول، ثم توجه بعد ذلك إلى الريّ فائتمرت له الفرقة الكرامية المبتدعة وسعت للإضرار به، فراسله أهل نيسابور والتمسوا منه التوجه إليهم ففعل، وفي ذلك يقول الحافظ أبو عبد الله بن البَيِّع النيسابوري: "وتقدمنا إلى الأمير ناصر الدولة أبي الحسن محمد بن إبراهيم والتمسنا منه المراسلة في توجهه إلى نيسابور ففعل، وورد نيسابور فبنى له الدار والمدرسة في خانكاه أبي الحسن البوشنجي".


علمه:

سمع مسند أبي داود الطيالسي من عبد الله بن جعفر بن فارس، وسمع من ابن خرزاد الأهوازي وكثر سماعه في البصرة وبغداد، وأثنى عليه العديد من أهل العلم كالحافظ ابن البيّع النيسابوري الذي قال فيه: "أحيا الله به بلدنا أنواعًا من العلوم لما استوطنها، وظهرت بركته على جماعة من المتفقهة وتخرجوا به".

كثرت مصنفاته في الأصول والفقه ومعاني القرءان حتى ناهزت المائة مصنف، وحدّث عنه البيهقي والقشيري وابن خلف والحاكم وءاخرون كُثر.

وفي "تبيين كذب المفتري" لمؤرخ الشام ابن عساكر الدمشقي ما نصه: "أخبرنا الشيخ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل في كتابه إليَّ من نيسابور قال: سمعت الشيخ أبا صالح أحمد بن عبد الله المؤذن يقول: كان الأستاذ أوحد وقته أبو علي الحسن بن علي الدقاق يعقد المجلس ويدعو للحاضرين والغائبين من أعيان البلد وأئمتهم فقيل له: قد نسيت ابن فورك ولن تدع له، فقال أبو علي: كيف أدعو له وكنت أقسم على الله البارحة بإيمانه أن يشفي علتي. وكان به وجع البطن تلك الليلة" اهـ.

ويكفيه مدحًا وبيانًا لفضله ما جاء في "طبقات الشافعية الكبرى" للتاج السبكي من قوله فيه: "الأستاذ أبو بكر الأنصاري الأصبهاني الإمام الجليل والحبر الذي لا يجارى فقهًا وأصولاً وكلامًا ووعظًا ونحوًا مع مهابة وجلالة وورع بالغ رفض الدنيا وراء ظهره، وعامل الله في سره وجهره وصمم على دينه.

مصمم ليس تلويه عواذله *** في الدين ثَبْتٌ قوي باسُهُ عَسِرُ

وذكر التاج في طبقاته على لسان الإمام سبب اشتغاله بعلم الكلام قوله: "كان سبب اشتغالي بعلم الكلام أني كنت بأصبهان أختلف إلى فقيه فسمعت أن الحجر يمين الله في الأرض [الحجر الأسود يمين الله في أرضه] أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام، والمعنى أنه وضع في الأرض للتقبيل والاستلام تشريفًا له كما شرفت اليمين وأكرمت بوضعها للتقبيل دون اليسار في العادة، فاستعير لفظ اليمين للحجر لذلك. وأضيف الحجر إلى الله إضافة تشريف وإكرام. كذا في صحيفة 108 ج2 من "إتحاف السادة المتقين" لمحمد مرتضى الزبيدي، فسألت ذلك الفقيه عن معناه فلم يُجب بجواب شاف، فأُرشدت إلى فلان من المتكلمين فسألته فأجاب بجواب شاف، فقلت لا بد لي من معرفة هذا العلم فاشتغلت به".


محنته مع الكرامية [المشبهة]:

إن نصرة الإمام أبو بكر بن فورك للحق وشدته في النكير على أهل الضلال ولا سيما الكرامية قد دفع بهؤلاء إلى الافتراء عليه عند السلطان محمود بن سبكتكين فادعوا أنه أنكر رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد موته، فعظم الأمر عند السلطان فأمر بإحضاره وقال: "إن صح هذا منه لأقتلنه". ولما حضر الإمام بين يديه ظهر كذب المفترين عليه وأن الإمام لا يقول إلا مقولة الأشاعرة، فأمر السلطان عندئذ بإعزازه وإكرامه وإرجاعه إلى وطنه معززًا.

ولما أيست الكرامية منه وعلمت أن الوشاية به لم تتم، وأم مكايدها وحيلها لن تؤت نتيجة، سعت إلى قتله فدفعت إليه من دس له السم فمات على أثره.

وأما ما ذكره ابن حزم في "النصائح" من أن ابن فورك قد قال بهذه المسئلة وأن السلطان ابن سبكتكين قد قتله بالسم لاجل ذلك، فقد بين التاج السبكي وغيره من الأشاعرة أن هذا كذب وافتراء عليه رضي الله عنه، فقال في الطبقات: "والمسئلة المشار إليها وهي انقطاع الرسالة بعد الموت مكذوبة قديمًا على الإمام أبي الحسن الأشعري نفسه. وقد مضى الكلام عليها في ترجمته. إذا عرفت هذا فاعلم أن أبا محمد بن حزم الظاهري ذكر في النصائح أن ابن سبكتكين قتل ابن فورك بقوله لهذه المسئلة ثم زعم ابن حزم أنها قول جميع الأشعرية، قلت وابن حزم لا يدري مذهب الأشعرية ولا يفرق بينهم وبين الجهمية لجهله بما يعتقدون، وقد حكى ابن الصلاح ما ذكره ابن حزم ثم قال: ليس الأمر كما زعم بل هو تشنيع على الأشعرية أثارته الكرامية فيما حكاه القشيري" اهـ.

وأما قول الذهبي الذي فيه أن السلطان قتله لأنه ثبت عليه مسئلة إنكاره لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد رده التاج السبكي في الطبقات وبين أنه عار من الصحة فقال: "أما أن السلطان أمر بقتله فشفع إليه، إلى ءاخر الحكاية فأكذوبة سمجة ظاهرة الكذب من جهات متعددة منها أن ابن فورك لا يعتقد ما نقل عنه بل يكفّر قائله، فكيف يعترف على نفسه بما هو كفر. وإذا لم يعترف فكيف يأمر السلطان بقتله وهذا أبو القاسم القشيري أخص الناس بابن فورك فهل نقل هذه الواقعة؟ بل ذكر أن من عزا إلى الأشعرية هذه المسئلة فقد افترى عليهم وأنه لا يقول بها أحد منهم".


مؤلفاته:

ذكرت المراجع أن مؤلفات الإمام ابن فورك قد بلغت قريب المائة مؤلف في الأصول والحديث والفقه وغيره. ونذكر من هذه المؤلفات: كتاب "مُشْكِل الحديث" وهو كتاب يتناول فيه عددًا من الأحاديث المتشابهة فيؤولها ويبين معانيها، كتاب "مشكل الآثار"، دقائق الأسرار، تفسير القرءان، شرح أوائل الأدلة، طبقات المتكلمين، وغير ذلك من المؤلفات القيّمة التي ألفها منتصرًا فيها للعقيدة الأشعرية.


وفاته:

مضى إلى مدينة غزنة بعد أن طُلب منه ذلك وناظر فيها كثيرًا، ثم عاد إلى نيسابور فسُمَّ في الطريق فمات ونقل إلى نيسابور ودفن بعدها في الحيرة، وهي محلة كبيرة في نيسابور غير الحيرة القريبة من مدينة الكوفة العراقية. وقبره ما زال إلى الآن يزار ويستسقى به ويستجاب الدعاء عنده. وكانت وفاته سنة أربعمائة وست للهجرة.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس