الأسئلة الشائعة التقويم بحث متقدم العضو المميز انشط قسم المشرف المميز الموضوع المميز جعل جميع المنتديات مقروءة التّسجيل
 




العودة   منتديات السنا - منتدى أهل السنة والجماعة > قسم منتديات النخبة > منتدى المكتبة Library

المشاركة في الموضوع
 
LinkBack خيارات الموضوع طريقة العرض
 
قديم 10-10-2006, 10:28 PM   #21
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

عبد الله بن مسعود
الصحابي الجليل


ترجمته:

هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هُذيل بن مدركة بن إلياس، الهُذلي المكي، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد أفقه الصحابة رضوان الله عليهم الذين رووا علمًا كثيرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان أحد السابقين الأولين الذين أٍلموا قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، إذ أخرج الطبراني والبزار وغيرهما عنه أنه قال: لقد رأيتني سادس ستة ما على وجه الأرض مسلم غيرنا.

روى عنه القراءة أبو عبد الرحمن السُّلمي وعبيد بن فُضيلة وغيرهم، واتفق البخاري ومسلم في الصحيحين على أربعة وستين حديثًا، وانفرد له البخاري بواحد وعشرين حديثًا، ومسلم بخمسة وثلاثين.

وكنيته أبو عبد الرحمن، فقد روي عن علقمة عنه أنه قال: كنّاني النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبد الرحمن قبل أن يولد لي.

وكان يعرف أيضًا بأمه فيقال له: ابن أم عبْد.

وكان رضي الله عنه ءادم شديد الأدمة، نحيفًا قصيرًا دقيق الساقين، وكان لطيفًا فطنًا ومعدودًا في أذكياء العلماء.


من مناقبه:

هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الذي كان أحد أعلم الصحابة الكرام، فقد ألهمه الله حب العلم وطلبه منذ نعومة أظفاره، فقد روى الإمام ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عنه أنه قال: كنتُ غلامًا يافعًا أرعى غنمًا، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقالا: يا غلام هل عندك لبن تسقينا فقلت: إني مؤتمن على الغنم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل عندك من جذعة لم يَنْزُ عليها الفحل قلت: نعم، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها ودعا فامتلأ الضرع، فاحتلب، فشرب أبو بكر وشربت، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص. ثم قلت له: علّمني من هذا القول، فقال: إنك غلام مُعّلَّم، فأخذت من فمه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد.

وكان أول شيء علمه عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكره الذهبي في سيره وغيره، عن لسان ابن مسعود أنه قال: قدمت مكة مع أناس من قومي نبتاع منها، فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب فإذا هو جالس عند زمزم، فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من باب الصفا عليه ثوبان أبيضان، كأنه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام حسن الوجه، تقفوهم امراة قد سترت محاسنها، حتى قصد الحجر فاستلم واستلم الغلام واستلمت المرأة، ثم طافوا البيت سبعًا، ثم استقبل الركن فرفع يده، وكبَّر وقام ثم ركع ثم سجد ثم قام، فأقبلنا على العباس نسأله فقال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله، والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته. أما والله ما على وجه الأرض أحد نعلمه يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة.

كان ابن مسعود رضي الله عنه أحد أفقه الصحابة وأعلمهم بالقرءان، فقد تكلم الصحابة الأجلاء ومن جاء بعدهم فذكروا سعة علمه، ففي "صفة الصفوة" عن زيد بن وهب أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أقبل ذات يوم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه جالس فقال: كنيف مُلئ علمًا.

وسئل الإمام علي رضي الله عنه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عن أيهم تسألون قالوا: أخبرنا عن عبد الله بن مسعود، فقال: عُلّمَ القرءان والسنة ثم انتهى.

وروى الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أن أبا موسى الأشعري قال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم، يعني بذلك ابن مسعود رضي الله عنه.

وعن مسروق أنه قال: قال ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما نزلت ءاية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وأعلم فيما نزلت، ولو أعلم أن أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطيُّ لأتيته.

وعن مسروق أيضًا أنه قال: شاممتُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم انتهى إلى ستة نفر منهم: عمر وعلي وعبد الله وأبيّ بن كعب وأبو الدرداء وزيد بن ثابت، ثم شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى رجلين: علي وعبد الله بن مسعود.

وقال علقمة: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بعرفة فقال: جئت إلى أمير المؤمنين من الكوفة وتركت بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهر قلبه، فغضب وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل، فقال: من هو ويحك فقال الرجل: عبد الله بن مسعود، فما زال عمر يطفأ ويسير عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها ثم قال: ويحك، والله ما أعلم بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين، وإنه سمرَ عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله يسمع قراءته ثم قال: "من سرَّهُ أن يقرأ القرءان رطبًا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" ثم جلس عبد الله يدعو، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: "سلْ تُعطَ".

وفي سير الذهبي عن أبي الأحوص أنه قال: أتيت أبا موسى الأشعري وعنده ابن مسعود وأبو مسعود الأنصاري وهم ينظرون إلى مصحف، ثم خرج ابن مسعود فقال أبو مسعود: والله ما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم ترك أحدًا أعلم بكتاب الله من هذا القائم، يعني بذلك عبد الله بن مسعود.


ثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه:

مما مدح به الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود ما رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يصعد ويجتني سواكًا من الأراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه وتمليه، فضحك القوم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما يضحككم" قالوا: من دقة ساقيه، فقال النبي: "والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أُحُد".

في سير الذهبي عن زهير بن معاوية عن منصور عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو كنت مؤمرًا أحدًا عن غير مشورة لأمَّرتُ عليهم ابن أم عبد". يعني ابن مسعود.

كما أخرج الحاكم والذهبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قد رضيتُ لكم ما رضي لكم ابن أم عبد".


بعض كلامه ومواعظه:

لقد كان ابن مسعود رضي الله عنه كثير الحلم والمواعظ شديد التأثير في سامعيه، فمن شهير مواعظه قوله: إنكم في ممر في الليل والنهار في ءاجال منقوصة وأعمال محفوطة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيرًا فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع. لا يسبق بطئ بخظه، ولا يُدرك حريصٌ ما لم يُقَدَّرْ له، فإن أُعطيَ خيرًا فالله اعطاه، ومن وُقيَ شرًا فالله وقاه. المتقون سادة والفقهاء قادة، ومجالسهم زيادة.

ومن حكمه: ما قلَّ وكفى خير مما كثر وألهى، ونفسٌ تُنجيها خير من إمارة لا تحصيها، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة ندامة يوم القيامة، وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى.

ومن بليغ كلامه ما رواه الطبراني أنه ارتقى الصفا يومًا وأخذ لسانه وخاطبه قائلاً: يا لسان، قُلْ خيرًا تغنم، واسكت عن شر تسلم، من قبل أن تندم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه".

ومن مواعظه ما رواه ابنه عبد الرحمن، وهو أنه أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن علّمني كلمات جوامع نوافع، فقال له: لا تشرك بالله شيئًا، وزُلْ مع القرءان حيث زال، ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيدًا بغيضًا، ومن جاءك بالباطل فاردده عليه وإن كان حبيبًا قريبًا.

وعن أبي الأحوص أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مع كل فرحة ترحة، وما مُلئَ بيت حبرة [سعة عيش] إلا مُلئَ عِبرة.

ومن حكمه في بيان حال الدنيا وساكنيها: ما منكم إلا ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل، والعارية مؤداة إلى أهلها.

وفي "صفة الصفوة" لابن الجوزي عن سليمان بن مهران قال: بينما ابن مسعود يومًا معه نفر من أصحابه، إذ مر أعرابي فقال: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: على ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقتسمونه. يعني بذلك علم الدين، وذلك مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء". أي أنهم ورثوا عنهم العلم يتعلمونه ويعلمونه الناس.


وفاته:

ذكر الذهبي عن عُبيد الله بن عبد الله بن مسعود أنه توفي سنة اثنتين وثلاثين للهجرة وكذا قال ابن الجوزي، وعن ابن أبي عُتبة وابن بكير أنه مات سنة ثلاث وثلاثين، وقال الذهبي: قلتُ لعله مات في أولها.

وكانت وفاته في المدينة المنورة ودفن في البقيع.

وفي سير الذهبي أن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه زاره في مرض وفاته فقال له: ما تشتكي قال: ذنوبي، فقال: فما تشتهي قال: رحمة ربي.

رحم الله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.



أخي الكريم أختي الكريمة هل أديتما الصلاة الواجبة ؟


إخواني وأخواتي بارك الله فيكم جميعا لا تأخذوا بما أقوم بطباعته من الكتب إلا بعد أن تحرروا ما فيها، فلعل في بعضها خطأ أو سقط في طباعتها شيء، أو احتوت من هذا القبيل خطأ كالذي يقع به الناسخ، فانتبهوا من ذلك قدر جهدكم ودمتم سالمين، وأذكركم بقول أبي حيان:

يظنُّ الغمْرُ أنَّ الكتْبَ تهدي .. أخا جهل لإدراكِ العلومِ
وما يدري الجهولُ بأنَّ فيها .. غوامض حيَّرتْ عقلَ الفهيمِ
إذا رمتَ العلومَ بغير شيخٍ .. ضللتَ عن الصراطِ المستقيمِ

 
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 11-10-2006, 09:17 PM   #22
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

أبيّ بن كعب
سيد القراء


ترجمته:

هو أبو المنذر ويكنى أبا الطفيل أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، الأنصاري النجاري سيد القراء.

كان ممن شهدوا العقبة التي حضرها سبعون من الأنصار، وشهد بدرًا كذلك وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام ابن الجوزي في "صفة الصفوة" مترجمًا له: "وهو أحد الذين حفظوا القرءان كله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الذين كانوا يُفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي "حلية الأولياء" أن مسروقًا سأل أبيًّا عن شيء، فقال له أبيّ: أكان بعد أي هل حدث ذلك، فقال مسروق: لا، فقال أُبيّ: فاحمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا.

وجاء في وصفه أنه كان دحداحًا، أي ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير.

حدَّث عنه بنوه: محمد والطفيل وعبد الله، وأنس بن مالك وابن عباس، وسويد بن غفلة، وزِرُّ بن حُبيش، وأبو العالية الرياحي، وأبو عثمان النهدي، وسليمان بن صُرد، وسهل بن سعد، وأبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وكثيرون غيرهم.


من مناقبه:

كان أبيّ بن كعب الأنصاري رضي الله عنه أحد القراء الذين سهل الله لهم تعلم قراءة القرءان وأحكامه من النبي صلى الله عليه وسلم الذي علّمه من أحكام القراءة وعلوم القرءان ما لم يعلمه أحدًا من الصحابة الكرام، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن سعد في طبقاته وهو: "أقرأُ أمتي أبيّ بن كعب".

وكان أبيّ رضي الله عنه يكتب في الجاهلية حيث كانت الكتابة قليلة في العرب، فلما أسلم جعل يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان واحدًا من الأربعة الذين قال عنهم أنس بن مالك: جمع القرءان [أي حفظًا وعلمًا] على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد أحد عمومتي.

وقد أمر الله تبارك وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ القرءان كله على أبيّ رضي الله عنه، ففي "حلية الأولياء" بالإسناد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ رضي الله عنه: "إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك القرءان"، فقال أبيّ: الله سمّاني لك [أي هل ذُكرت باسمي] قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، سمّاك لي"، فجعل أبيّ يبكي.

وفي "سير أعلام النبلاء" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا المنذر، إني أُمرت أن أعرض عليك القرءان"، فقال أبيّ: بالله ءامنت وعلى يدك أسلمت، ومنك تعلمت، فردّ النبي صلى الله عليه وسلم القول، فقال أبيّ: يا رسول الله، وذُكرت هناك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم، باسمك ونسبك في الملإ الأعلى"، فقال أبيّ: اقرأ إذًا يا رسول الله.

وكان له من سعة العلم ما شهد له به الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: من أراد أن يسأل عن القرءان فليأتِ أبيّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأتِ زيدًا، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأتِ معاذًا، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني خازنًا وقاسمًا.

وفي "حلية الأولياء" عن أُبيّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "أبا المنذر، أي ءاية من كتاب الله عز وجل معك أعظم"، فقال رضي الله عنه: الله ورسوله أعلم، قال عليه الصلاة والسلام: "أبا المنذر، أي ءاية من كتاب الله معك أعظم" فقال أبيّ: [لا إله إلا هو الحي القيوم]، قال أبيّ: فضرب صدري وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر".

وسأل أبيّ رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جزاء الحمى قال عليه الصلاة والسلام: "تُجرى الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قَدم أو ضرب عليه عِرق"، فقال أبيّ: اللهم إني أسألك حُمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك، ولا خروجًا إلى بيتك، ولا مسجد نبيك، فلم يُمس أُبيّ قط إلا وبه حمى.

وذكر عنه ابن سعد في طبقاته بالإسناد عن أبي المهلب عن أبيّ بن كعب أنه كان يختم القرءان في ثماني ليالٍ، وكان تميم الداري يختمه في سبع.

روى أبو نعيم في "الحلية" والذهبي في سيره أن رجلاً استوصى أبيّ بن كعب، فقال له: اتخذ كتاب الله إمامًا، وارض به قاضيًا وحَكمًا، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مُطاع، وشاهد لا يُتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحَكَم ما بينكم، وخبركم وخبر من بعدكم.

وفي الحلية أيضًا بالإسناد عن أبي العالية عن أبيّ رضي الله عنه أنه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيلٍ وسنةٍ، ذكر الرحمن عز وجل ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل، فتمسه النار، وليس من عبد على سبيل وسُنة ذكر الرحمن فاقشعر جلده من مخافة الله عز وجل، إلا كان مَثله كمثل شجرة يبس ورقها، فبينا هي كذلك إذ أصابتها الريح فتحاتت عنها ورقها، إلا تحاتَّت عنه ذنوبه كما تحات عن هذه الشجرة ورقها، وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله وسنته، فانظروا أعمالكم، فإن كانت اجتهادًا أو اقتصادًا أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم.

وعن مسلم بن شداد عبيد بن عمير، عن أُبيّ بن كعب أنه قال: ما من عبد ترك شيئًا لله عز وجل إلا أبدله الله به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، وما تهاون به عبد فأخذه من حيث لا يصلح، إلا أتاه الله ما هو أشد عليه منه، من حيث لا يحتسب.

ومن أقواله أيضًا: المؤمن بين أربع، إن ابتُلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل.


وفاته:

ورد عدة أقوال في وفاته رضي الله عنه، فمنهم من قال إنه توفي سنة تسع عشرة للهجرة، ومنهم من قال: سنة اثنتين وعشرين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومنهم من قال: توفي في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، على قولين: الأول أن وفاته كانت سنة ثلاثين، والثاني أنها كانت سنة اثنتين وثلاثين.

رحم الله سيد القراء أبيّ بن كعب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 11-10-2006, 09:44 PM   #23
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

حمزة بن عبد المطلب
أسد الله وسيد الشهداء



ترجمته:

هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم المكنى بأبي عمارة وقيل أبو يعلى، وأمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. وهو شقيق صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأم الزبير لأمها وأبيها، وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين وقيل بأربع سنين والأول أصح، وهو أخو الرسول صلى الله عليه وسلم من الرضاعة.


قصة إسلامه:

روى ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" عن محمد بن كعب القرظي قال: قال أبو جهل في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكره فبلغ ذلك حمزة فدخل المسجد مغضبًا فضرب رأس أبي جهل بالقوس ضربة أوضحته ثم بعد ذلك أعلن إسلامه فعز به رسول الله والمسلمون، وذلك في السنة السادسة من البعثة.

وفي "أسد الغابة" لابن الاثير الجزري ما نصه: عن محمد بن إسحاق قال إن أبا جهل اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذاه وشتمه وقال فيه ما يكره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة فجلس معهم ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل راجعًا من قنص له وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز قريش وأشدها شكيمة. ثم إن مولاة ابن جدعان كلمته بما جرى، قال ابن الأثير: فاحتمل حمزة الغضب لِما أراد الله تعالى من كرامته فخرج سريعًا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالبيت معدًا لأبي جهل أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجته شجة منكرة، وقامت رجال من ثريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت [أي أسلمت]، قال حمزة: أنا أشهد أنه رسول الله، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا.

مع هذه الحادثة أعلنها حمزة غير هياب ولا متردد "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله".

وعز المسلمون بحمزة عزًا عظيمًا لما كان له من السطوة والمكانة وعظيم الجرأة والبأس.

ثم إن حمزة هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وأبلى فيها بلاءً عظيمًا مشهودًا.

وقد قال فيه الرسول الصادق عليه الصلاة والسلام: "رحمة الله عليم فإنك كنت ما علمت فعولاً للخيرات وَصولاً للرحم".


جهاده في سبيل الله:

في "صفة الصفوة" لابن الجوزي عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: "لما كان يوم بدر ودنا القوم منا إذا رجل منهم على جمل له أحمر، يسير في القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي نادِ لي حمزة" وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة وسئل عن صاحب الجمل الأحمر، فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال، فبرز عتبة وشيبة والوليد فقالوا: من يبارز، فخرج فتية من الأنصار فقال عتبة: لا نريد هؤلاء ولكن من يبارزنا من ولد عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قم يا علي قم يا حمزة قم يا عبيدة بن الحارث".

ثم إن حمزة بارز شيبة فقتله، وبارز علي الوليد فقتله، وبارز عبيدة عنبة فأثبت كلٌّ صاحبه وكر علي وحمزة على عتبة بأسيافهما فأجهزوا عليه.

وجيء بعبيدة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لكنه ما لبث أن توفي شهيدًا سعيدًا رضي الله عنه.

وقد ذكر أن حمزة رضي الله عنه كان عليه في الحرب ريشة نعامة وقاتل يوم بدر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفين، وقال بعض أسارى الكار: "من الرجل المعلم بريشة نعامة" قالوا: حمزة رضي الله عنه، قالوا: "ذاك فعل بنا الأفاعيل".

هذا وليعلم أن حمزة رضي الله عنه هو صاحب أول لواء عقده الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي "أسد الغابة" عن أبي الحسن المدائني قال: أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه بعثه في سرية إلى سيف البحر من أرض مهينة.


وفاته رضي الله عنه:

لقد أكرم الله سيدنا حمزة بأن توفاه شهيدًا حميدًا قد تزود بصالح العمل مع حسن السيرة وسلامة السريرة، ففي السنة الثالثة من الهجرة يوم الجمعة، وقيل يوم السبت بينما كان القتال يدور في أحد وقد حمى الوطيس واحمرت الحدق وثبتت الأبطال كالليوث تناضل وتناصر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ولى كثير من القوم وتزلزلت الأقدام تحت وطأة السيف، فالألسن صامتة والأسنة تحكي قصص الالتحام، والسيوف تخطب على منابر الرقاب وحمزة يصول ويجول ويقاتل قتال الأبطال وكان يقاتل بسيفين، فقال قائل: أي أسدٍ هو حمزة، وبينما هو كذلك إذا عثر عثرة فوقع على قفاه وانكشف الدرع وإذا بوحشي الحبشي يرميه بالحربة فيمضي حمزة شهيدًا سعيدًا.

وفي سبب قتل وحشي لحمزة أن وحشيًا كان عبدًا مملوكًا عند "جبير بن مطعم" فقال له جبير: إن قتلت حمزة فأنت حر، وكان حمزة قد قتل "طعيمة بن عدي" عم جبير يوم بدر، روى الإمام ابن الجوزي في "صفة الصفوة" يروي عن وحشي بعدما كان قد أسلم قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة حتى مرَّ عليّ فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثُنته حتى دخلت بين وركيه/ وكان ذلك ءاخر العهد به.

قال وحشي: فلما رجع الناس رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام.

وقد مثل به كفار قريش ومُثّل بجميع القتلى يومئذ، إلا حنظلة بن أبي عامر فإن أباه كان مع قريش يومها فتركوه. وجعل النساء يمثلن بالقتلى فيجدعن الأنوف ويقطعن الآذان ويبقرن البطون، وبقرت "هند بنت عتبة" بطن حمزة فأخرجت كبده فلاكتها ولم تسغها فلفظتها.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مُثّل به "أي بحمزة" فلم يرّ منظرًا كان أوجع لقلبه منه فقال: "رحمك الله أي عم فلقد كنت وَصولاً للرحم فَعولاً للخيرات".

وعن جابر قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة قتيلاً بكى فلما رأى أي ما مُثّل به شهق.

هذا وقد ذكر أنه قد كشف مرة عن عدة قبور لشهداء أحد بينها قبر حمزة فكان كما هو.

وعن جابر قال: لما أراد معاوية أن يجري عينًا التي "بأحد" كتبوا إليه: إنّا لا نستطيع أن نجريها إلا على قبور الشهداء، فكتب معاوية: انبشوهم قال: فرأيتهم يحملون على أعناق الرجال كأنهم نيام، وأصابت المسحاة رجل حمزة فانبعثت دمًا.

وأعقب مقتل حمزة رضي الله عنه الحزن العظيم من كافة المسلمين، فبكى عليه الناس وحزن عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وكانت وفاته مصيبة كبيرة وفاجعة فجع بها الناس يومئذ.

رحم الله سيدنا حمزة سيد الشهداء وجمعنا به مع الصحابة الأبرار.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 11-10-2006, 10:30 PM   #24
حفيد الرسول
 
الصورة الرمزية لـ الساهر
 




الساهر is on a distinguished road
إفتراضي

 

بارك الله بك على مجهودك يا أم عمر



أخي الكريم أختي الكريمة هل أديتما الصلاة الواجبة ؟

السنا مدرسة أهل السنة والجماعة
سيد الخلق الاكمل...أعشقه ولا أخجل
 
الساهر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 12-10-2006, 06:19 PM   #25
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

وفيك ءامين أخي الساهر
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 12-10-2006, 10:03 PM   #26
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

العباس بن عبد المطلب
عم الرسول صلى الله عليه وسلم


ترجمته:

هو أبو الفضل العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أحد أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا، وكان أكثر الناس نصرة ومؤازرة له صلى الله عليه وسلم.

والعباس رضي الله عنه ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين، وهو بذلك يكون أسن من الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين.

وأمه نُثيلة بنت جناب بن كُليب بن مالك، ذكر الصفدي في "الوافي بالوفيات" أنها كانت أول امرأة عربية كست البيت الحرام الحرير والديباج وأصناف الكسوة، وذلك أن العباس رضي الله عنه كان قد ضاع وهو صبي، فنذرت أمه أن تكسو البيت إن وجدته، فلما وجدته وفت بنذرها.

وكان العباس رضي الله عنه رئيسًا في الجاهلية وفي قريش، وأُسندت إليه عمارة البيت والسقاية في الجاهلية. والعمارة هي أن لا يدع أحدًا يسبُّ أحدًا في الحَرَم، فقد اجتمعت قريش وتعاقدت على ذلك وسلمت له ذلك وكانت له أعوانًا فيه.

كان رضي الله عنه معتدل الخلق ومن أحسن الرجال وأبهاهم صورة، واجهرهم صوتًا، وهو الذي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهتف يوم حُنين: يا اصحاب الشجرة، وذلك حين حمي الوطيس واشتدت المعركة.

وعن الأصمعي أنه قال: كان للعباس راعٍ يرعى له على مسيرة ثلاثة أميال، فإذا أراد منه شيئًا صاح به فأسمعه حاجته.

وكان رضي الله عنه ذا سؤدد ورأي وحكمة، فقد قيل له: ءأنت أكبر أو النبي فقال: هو أكبر وأنا ولدت قبله.

وكان يمنع الجار ويبذل المعروف ويعطي في النوائب، وأعتق يوم موته سبعين مملوكًا كانوا له.


من مناقبه:

ويذكر أصحاب السير كالذهبي وابن سعد وابن الجوزي أنه أسلم قبل الهجرة وكان يكتم إسلامه خوفًا من إيذاء كفار قريش، ويوم بدر خرج مع المشركين مستكرهًا، ففي سير الذهبي عن عمارة بن عمار بن أبي اليسر السلمي عن أبيه عن جده أنه قال: نظرتُ إلى العباس يوم بدر وهو واقف كأنه صنم وعيناه تذرفان، فقلت له: أتقاتل ابن أخيك مع عدوه فقال: ما فعل، أٌقُتِلً قلت: الله أعز له وأنصر من ذلك، فقال: ما تريد إليَّ قلت: الأسر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتلك، فقال: ليست بأول صلته وبره، فأسرته، ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وطلب النبي صلى الله عليه وسلم من العباس أن يفدي نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وعُتبة بن عمرو بن جحدم، فقال العباس: يا رسول الله إني كنتُ مسلمًا ولكن القوم استكرهوني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أعلم بإسلامك، إن يكُ ما تذكر حقًا فالله يجزيك به، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافدِ نفسك" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب، فقال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله احسبها لي من فدايَ، فقال: "لا، ذاك شيء أعطاناه الله منك"، فقال العباس: فإنه ليس لي مال، فقال الرسول: "فأين المال الذي وضعتَ بمكة حين خرجت عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكم أحد، ثم قلت لها إن أصبتُ في سفري هذا فللفضل كذا ولعبد الله كذا"، قال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله.

وقال العباس رضي الله عنه: وأنزلت الآية: {يا أيُّها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أُخذ منكم ويغفر لكم} [سورة الأنفال/ءاية:70]، فأعطاني الله مكان العشرين أوقية في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله تعالى.

وكان العباس رضي الله عنه واحدًا من الذين حضروا بيعة العقبة التي حضرها سبعون رجلاً من الأوس والخزرج، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إلى أسفل العقبة تحت الشجرة مع عمه العباس رضي الله عنه، فبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم والعباس ءاخذ بيده يؤكذ له البيعة.


منزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم:

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب عمه العباس حبًا شديدًا، ويُجله ويحترمه ويبر قسمه ويسمع رأيه ويفرح لفرحه ويحزن لضر يصيبه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات ساهرًا أول الليل وأسرى بدر في الوثاق وفيهم العباس رضي الله عنه، فقيل: يا رسول الله مالك لا تنام؟ قال: "سمعت أنين عمي في وثاقه" فقام رجل فأرخى وثاق العباس، فقال رسول الله: "مالي لا أسمع أنين العباس" فقال رجل من القوم: إني أرخيت من وثاقه شيئًَا، قال: "فافعل ذلك بالأسرى كلهم".

ووردت أحاديث عدة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مدح عمه العباس رضي الله عنه والدعاء له ولأولاده، فقد سب رجل من الأنصار أبًا للعباس كان في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر وقال: "أيها الناس، أي أهل الأرض أكرم على الله" قالوا: أنت، فقال: "فإن العباس مني وأنا منه، ولا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا"، وفي جامع الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بال رجال يؤذونني في العباس، وإن عم الرجل صنوا أبيه [أي مثلُ أبيه]، من ءاذى العباس فقد ءاذاني".

وعن سعيد بن المسيب عن سعد قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في نقيع الخيل، فأقبل العباس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا العباس عم نبيكم، أجود قريش كفًّا، وأوصلها".

وروى الذهبي عن الزبير بن بكار بالإسناد عم عبد الله بن عمر أنه قال: استسقى عمر رضي الله عنه عام الرمادة بالعباس فقال: اللهم، هذا عم نبيك نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله، فخطب عمر الناس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، فيعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس، واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم.

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجل أحدًا ما يُجل العباس أو يُكرم العباس.

وكان الصحابة يجلون العباس رضي الله عنه ويحترمونه، ففي "الأدب المفرد" للبخاري أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقبل يد عمه العباس ويقول له: يا عم، ارضَ عني.

ولحسن بن ثابت رضي الله عنه أبيات مدح فيها العباس رضي الله عنه بعد أن استسقى عام الرمادة فسُقي الناس:

سأل الإمام وقد تتابع جَدْبنا *** سُقي الأنام بغرة العباسِ
عم النبي وصِنو والده الذي *** ورث النبي بذاك دون الناسِ
أحيا الإله به البلاد فأصبحت *** مخضرَّة الاجناب بعد الياسِ


مدحه النبي صلى الله عليه وسلم:

أورد الصفدي في "الوافي بالوفيات" والذهبي في سيره أبياتًا قالها العباس رضي الله عنه، مادحًا فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الرواية أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم بعد منصرفه من تبوك: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال النبي: "قل، لا يفضض الله فاك"، فقال:

من قبلها طبتَ في الظلال وفي *** مستودع حيثُ يُخصَفُ الورقُ
ثم هبطتَ البلاد لا بَشَر *** أنتَ ولا مضغة ولا عَلَقُ
بل نطفة تركب السفينَ وقد *** ألجَمَ نسرًا وأهله الغرقُ
تُنقلُ من صالب إلى رحمٍ *** إذا مضى عالم بدا طَبَقُ
حتى احتوت بيتُكَ المهيمن من *** خِندفَ علياءَ تحتها النُّطقُ
وأنت لما ولدتَ أشرقت الـ *** أرضُ وضاءت بنورك الأفقُ
فنحن في ذلك الضياء وفي الـ *** ـنور وسُبُل الرشاد نخترق

وهذه الأبيات ذكرها أيضًا الذهبي في سيره، وابن الأثير في "النهاية" وغيرهما، وتناولها الكثير من أصحاب السير والأدباء والشعراء يشرح مفرداتها ومعاني أبياتها.

ومعنى قول العباس:

من قبلها طبتَ في الظلال وفي *** مستودع حيثُ يُخصَفُ الورقُ

أنك يا رسول الله قد كنت طيبًا قبلها، أي قبل أن تكون في الأرض، جين كنت في صُلب ءادم عليه السلام حيث خصف هو وحواء عليهما من ورق الجنة.

ثم هبطتَ البلاد لا بَشَر *** أنتَ ولا مضغة ولا عَلَقُ

أي أن ءادم عليه السلام لما هبط إلى الأرض كنتَ في صلبه ولم تكن حينها بشرًا ولا مضغة في رحم امرأة ولا علقة.

بل نطفة تركب السفينَ وقد *** ألجَمَ نسرًا وأهله الغرقُ

نسر: هو أحد الأصنام الخمسة التي كان يعبدها قوم نوح عليه السلام. والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نطفة في ظهر سيدنا نوح عليه السلام حين ركب السفينة وغرق نَسر والكفار الذين كانوا يعبدونه.

تُنقلُ من صالب إلى رحمٍ *** إذا مضى عالم بدا طَبَقُ

الصالب: هو الصلب، والطبق: القرن. والمعنى أنك يا رسول الله كنت تتنقل من صلب ردل إلى رحم امرأة، والقرون تمضي وتتبعها قرون.

حتى احتوت بيتُكَ المهيمن من *** خِندفَ علياءَ تحتها النُّطقُ

بيتك: شرفك، والنطق: أعراض من الجبال بعضها فوق بعض. ومعنى البيت: أنك نلت من الشرف أوسطه وأعلاه بانتسابك إلى خِندِف. وخندف هي ليلى القضاعية زوجة إلياس بن مضر، وكانت العرب إذا أرادت أن تبين علو شرفها ونسبها تنتسب إليها، فكانت مثلاً عن الشرف والنسب العالي.


وفاة العباس:

كانت وفاته رضي الله عنه بالمدينة المنورة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، فبعث بنو هاشم من يبلغ أهل المدينة خبر الوفاة، فاحتشد الناس عند بيته ولم يقدر أحد أن يدنو من سريره لكثرة ازدحام الناس، ثم ازدحم الناس عند قبره فلم يستطع بنو هاشم أن يدنوا من قبره، فبعث عثمان بن عفان رضي الله عنه الشرطة يفسحون الطريق لبني هاشم حتى وصلوا إلى قبره.

وغسله علي رضي الله عنه وأولاده: عبد الله وقُثم وعبيد الله، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه ودفن في البقيع، عليه سلام الله ورحمته وبركاته.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 13-10-2006, 01:45 AM   #27
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

سلمان الفارسي
سابق الفرس



ترجمته:

هو سلمان الفارسي أبو عبد الله يعرف بسلمان الخير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصله من فارس وقيل اسمه قبل الإسلام مابه بن بوذخشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك من ولد آب الملك "ذكره في أسد الغابة" سابق الفرس، الكادح الذي لا يبرح، والزاخر الذي لا ينزح، الحكيم، والعابد العالم، أبو عبد الله سلمان، رافع الألوية والأعلام، أحد الرفقاء والنجباء، ومن إليه تشتاق الجنة من الغرباء، ثبت على القلة والشدائد. يكنى أبا عبد الله، من أصبهان من قرية يقال لها جيّ وقيل رامهرمز.


قصته:

عن عبد الله بن العباس قال: حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلاً فارسيًا من أهل أصبهان، من أهل قرية يقال لها جيّ، وكان أبي دهقان قريته [أي زعيم فلاحي العجم]. وكنت أحب الخلق إليه. فلم يزل به حب إياي حتى حبسني في بيته كما تًحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة.

قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة. قال: فشغل في بنيان له يومًا. قال لي: يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد. فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته. فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خير من الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم ءاتها فقلت لهم أين أصل، هذا الدين قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله. فلما جئته قال: أي بني أين كنت ألم أكن عهدت إليك ما عهدت قال قلت: يا أبت، مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين ءابائك خير منه. قلت: كلا والله إنه لخير من ديننا، قال: فخافني فجعل في رجلي قيدًا ثم حبسني في بيته، قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجارًا من النصارى فأخبروني بهم، فقال: فقدم عليهم ركب من تجار النصارى، قال: فأخبروني بقدوم تجار فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فأذنوني بهم، قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم ألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين قالوا: الأسقف في الكنيسة، قال: فجئته فقلت: إني وقد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل، فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغّبهم فيها فإذ جمعوا إليه منها شيئًا اكتنزه لنفسه ولم يعطه للمساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب. قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع. قال: ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغّبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا، قالوا: وما علمك بذلك، قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدُلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا، قال: فصلبوه ثم رجموه بالحجارة.

ثم جاؤوا برجل ءاخر فجعلوه مكانه فما رأيت رجلاً يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلاً ونهارًا منه. قال: فأحببته حبًا لم أحبه من قبله فأقمت معه زمانًا ثم حضرته الوفاة. قلت له: يا فلان إني كنت معك فأحببتك حبًا لم أحبه من قبلك وقد حضرتك الوفاة فإلى من توصي بي، وما تأمرني قال: أي بني والله ما أعلم أحدًا اليوم على كنت عليه. لقد هلك الناس وبدّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلما مات وغُيّب لحقت بصاحب الموصل فقلت له يا فلان إن فلانًا عند موته أوصاني وأمرني ونصحني ودلني أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي. قال: فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلانًا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بم وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي وما تأمرني قال: أي بني والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بنصيبين وهو فلان فالحق به. قال: فلما مات وفيب لحقت بصاحب نصيبين فجئت فأخبرته بما جرى وما أمرني به صاحبي قال: فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه. فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي، وما تأمرني قال: أي بني والله ما أعلم أحدًا بقي على أمرنا ءامرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمورية فإنه على مثل أمرنا. قال: فلما مات وغُيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري فقال: أقم عندي، فأقمت عند رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: وكنت اكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل وحل به أمر الله عز وجل فلما حضر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان، وأوصى بين فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان فإلى من توصي بي وما تأمرني قال: أي بني والله ما أعلم أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس ءامرك أن تاتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حرّتين بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.

قال: ثم مات وغيّب، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من كلب تجارًا فقلت له: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغُنيمتي هذه؟ قالوا: نعم، فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود.

فكنت عنده ورأيت النخل ورجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي، فبينا أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها بصفة صاحبي فأقمت بها، وبعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة، أقام لا أسمع به بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عَذْق [أي النخلة] لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: فلان، قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم زعم أنه نبي. قال: فلما سمعته أخذتني العرواء حتى ظننت أني ساقط على سيدي، قال: ونزلت النخلة فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، وقال: ما لك ولهذا أقبل على عملك. قال: قلت لا شيء، إنما أردت أن أستثبته عما قال، وقد كان شيء عندي قد جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربه إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "كلوا" وأمسك يده هو فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة. ثم انصرفت عنه فجمعت شيئًا وتحوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، قال: ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رءاني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني استثبت في شيء وُصِفَ لي. قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تحول". فتحولت فقصصت عليه حديثي، ثم شغل سلمان الرقّ حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: بدر وأحد. قال: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كاتب يا سلمان"، فكاتبتُ صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها [أي أغرسها] له بالفقير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أعينوا أخاكم"، فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين، والرجل بخمسة عشر، والرجل بعشرة يعين الرجل بقدر ما عنده. حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب يا سلمان ففقّر لها فإذا فرغت أكن أنا أضعها بيدي". قال: ففقرت لها وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب له الوديّ ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فوالذي نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة. فأديت النخل فبقي علي المال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال: "ما فعل الفارسي المُكاتب" قال: فدعيت له، قال: "خذ هذه فأدّ بها ما عليك يا سلمان". قال: قلت: وأيت تقع هذه يا رسول الله مما علي قال: "خذها فإن الله عز وجل سيؤدي بها عنك"، قال: فاخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعُتقت، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد.


فضائله وعلمه:

عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السبّاق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة".

عن أبي جحيفة قال: ءاخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مبتذلة. فقال لها: ما شانك؟ فقالت: إن أخاك أبا الدرداء ليست له حاجة في الدنيا. فقال: فلما جاء أبو الدرداء قرب طعامًا فقال: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال له سلمان: نم، فنام، فلما كان من ءاخر الليل قال له سلمان: قم الآن فقاما فصليا فقال: إن لنفسك عليك حقًا، ولربك علي حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا فاعط كل ذي حق حقه، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال: "صدق سلمان".


زهده:

عن مالك بن أنس أن سلمان الفارسي كان يستظل بالفيء حيثما دار، ولم يكن له بيت، فقال له رجل: ألا نبني لك بيتًا تستظل به من الحر وتسكن فيه من البرد فقال له سلمان: نعم. فلما أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه؟ قال: أبنيه إن قمت فيه أصاب رأسك وإن اضطجعت فيه أصاب رجليك فقال سلمان: نعم.

وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن سلمان: أنه تزوج امرأة من كندة فلما كان ليلة البناء مشى معه أصحابه حتى أتى بيت المرأة، فلما بلغ البيت قال: ارجعوا أجركم الله، ولم يُدخلهم، فلما نظر إلى البيت، والبيت منجّد قال: أمحموم بيتكم أم تحولت الكعبة في كندة فلم يدخل حتى نزع كل ستر في البيت غير ستر الباب فلما دخل رأى متاعًا كثيرًا فقال: لمن هذا المتاع قالوا: كتاعك ومتاع امرأتك. فقال: ما بهذا أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوصاني خليلي أن لا يكون متاعي من الدنيا إلا كزاد الراكب، ورأى خدمًا فقال: لمن هذا الخدم قالوا: خدمك وخدم امرأتك فقال: ما بهذا أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم، ثم قال للنسوة اللاتي عند امرأته: هل أنتن مخليات بيني وبين امرأتي قلن: نعم فخرجن، فذهب إلى الباب فأجافه [أي ردّه عليه] وأرخى الستر ثم جاء فجلس عند امرأته فمسح عند ناصيتها ودعا بالبركة، فقال لها: هل أنت مطيعتي في شيء ءامرك به قالت: جلست مجلس من يطيع، قال: فإن خليلي أوصاني إذا اجتمعت إلى أهلي أن أجتمع على طاعة الله. فقام وقامت إلى المسجد فصليا ما بدا لهما ثم خرجا فقضى منها ما يقضي الرجل من امرأته. فلما أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا: كيف وجدت أهلك فأعرض عنهم، ثم أعادوا فاعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم. ثم قال: إنما جعل الله عز وجل الستور والخِدر والأبواب لتواري ما فيها، حسْبُ كل امرئ منكم أن يسأل عما ظهر له فأما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المتحدث عن ذلك كالحمارين يتسافدان في الطريق".

عن النعمان بن حميد قال: دخلت مع خالي على سلمان الفارسي بالمدائن وهو يعمل الخوص فسمعته يقول: اشتري خوصًا بدرهم فاعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهمًا فيه وأنفق درهمًا على عيالي وأتصدق بدرهم.


نبذة من كلامه ومواعظه:

عن جرير قال: قال سلمان: يا جرير تواضع لله عز وجل فإنه من تواضع لله عز وجل في الدنيا رفعه الله يوم القيامة، يا جرير هل تدري ما الظلمات يوم القيامة قلت: لا، قال: ظلم الناس بينهم في الدنيا، قال: ثم أخذ عويدًا لا أكاد أراه بين إصبعيه، قال: يا جرير لو طلبت في الجنة هذا العود لم تجده. قال: قلت: يا أبا عبد الله فأين النخل والشجر قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاها الثمر.

عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل دنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راض عنه، وثلاث أحزنني حتى أبكينني: فراق محمد وحزنه، وهول المطلع والوقوف بين يدي ربي عز وجل ولا أدري إلى جنة أو إلى نار.

وعن سعيج بن وهب قال: دخلت مع سلمان على صديق له من كندة نعوده، فقال له سلمان: إن الله عز وجل يبتلي عبده المؤمن بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارة لما مضى، فيستعتِب فيما بقي، وإن الله عز وجل يبتلي الفاجر بالبلاء ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه فلا يدري فيم عقلوه ولا فيم أطلقوه حيث أطلقوه.


وفاته:

عن حبيب بن الحسن وحميد بن مورق العجلي أن سلمان لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك قال: عهد عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب". قال: فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا في بيته إلا إكافًا ووطاء ومتاعًا قوم نحوًا من عشرين درهمًا.

قال أهل العلم بالسير: كان سلمان من المعمّرين، أدرك وصيّ عيسى بن مريم عليه السلام، وعاش مائتين وخمسين سنة، ويقال أكثر، وتوفي بالمدائن في خلافة عثمان، وقيل مات سنة ثنتين وثلاثين.

فهذا هو سلمان الفارسي الزاخر والعابد والنجيب والرفيق.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 13-10-2006, 02:02 AM   #28
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

صهيب الرومي
سابق الروم



ترجمته:

هو الصحابي الجليل صهيب بن سنان الرومي بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن جذيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس مناة بن النمر بن قابس بن هنب بن أقصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار الربعي النمري كذا نسبه الكلبي وأبو نعيم وكنيته "أبو يحيى" ذكره في أسد الغابة.

كان أبوه حاكم الأبلَّه وواليًا عليها لكسرى، وكان من العرب الذين نزحوا إلى العراق قبل بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعهد طويل.

وذات يوم تعرضت البلاد لهجوم الروم، وأسر الروم أعدادًا كثيرة، وسبوا "صهيب بن سنان" وأصبح مع تجار الرقيق، وانتهى إلى مكة المكرمة، حيث بيع لعبد الله بن جدعان، بعد أن أمضى طفولته كلها وصدرًا من شبابه في بلاد الروم، حتى أخذ لسانهم ولهجتهم. واعجب سيد "صهيب" بذكائه ونشاطه، فأعتقه وحرره وهيأ له فرصة الإتجار معه.


إسلامه:

يقول سيدنا عمّار بن ياسر رضي الله عنه: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله فيها، فقلت له: ماذا تريد، فأجابني: وماذا تريد أنت، قلت له: أريد أن ادخل على محمد فأسمع ما يقول، قال: وإني أريد ذلك. فدخلنا على الرسول عليه الصلاة والسلام فعرض علينا الإسلام فاسلمنا، ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا ونحن مستخفيان.

ويقول صهيب: "لم يشهد رسول الله مشهدًا قط إلا كنت حاضرَه ولم يبايع بيعة قد إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة أوّل الزمان وءاخره إلا وكنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خاف المسلمون أمامهم قد إلا كنت أمامهم، ولا خافوا وراءهم إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله بيني وبين العدو".


هجرته إلى المدينة:

لقد أحبّ سيدنا "صهيب" رضي الله عنه أن يهاجر، لكن المشركين أعاقوه عن الهجرة ووقع في بعض فخاخهم، بينما الرسول وأبو بكر هاجرا على بركة الله، حتى يسّر الله الأمر فامتطى ظهر ناقته، بيدَ أن قريشًا أرسلت قناصتها فأدركوه، ولم يكد صهيب يراهم ويواجههم من قريب حتى صاح فيهم قائلاً: "يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً وأيم الله لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فاقدموا إن شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي، وتتركوني وشأني"، فقبلوا أن يأخذوا ماله قائلين له: "أتيتنا صعلوكًا فقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت والآن تنطلق بنفسك ومالك؟" فدلهم على المكان الذي خبّأ فيه ثروته وتركوه وشأنه وقفلوا إلى مكة راجعين، والعجب أنهم صدقوا قوله في غير شك وفي غير حذر، فلم يسألوه بينة، بل ولم يستحلفوه على صِدقه.

وتابع "صهيب" هجرته حتى أدرك الرسول عليه الصلاة والسلام في قباء. كان الرسول جالسًا وحوله اصحابه حين أهلَّ عليهم صهيب، ولم يكد الرسول يراه حتى ناداه متهللاً: "ربح البيعُ أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى" وعندها نزلت الآية الكريمة: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد} [سورة البقرة/ءاية:257].


وفاته:

رحل سيدنا صهيب رضي الله عنه من دنيا غرارة خائنة إلى دار البقاء، راضيًا مرضيًا بعد حياة ملؤها التقوى والورع والجهاد والإنفاق في سبيل الله، وإطعام الطعام وفعل الخيرات وترك المنكرات، ليحيا في جنة عرضها السموات والأرض أعدت لعباد لله المؤمنين بإذن الله رب العالمين.
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 14-10-2006, 01:41 AM   #29
مخضرم
 



المثنى is on a distinguished road
إفتراضي

 

جزاكِ الله خيرا أختي أم عمر
مجهود تشكرين عليه



أخي الكريم أختي الكريمة هل أديتما الصلاة الواجبة ؟

أنا الرفاعي أنا المثنى...قلبي بذكر المصطفى تغنّى
(السنا مدرسة أهل السنة والجماعة)

 
المثنى غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 14-10-2006, 02:31 PM   #30
أشعرية
 




إكرام is on a distinguished road
إفتراضي

 

ما شاء الله



أخي الكريم أختي الكريمة هل أديتما الصلاة الواجبة ؟

 
إكرام غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 15-10-2006, 01:58 AM   #31
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

إقتباس:
المشاركة الأصلية بواسطة المثنى
جزاكِ الله خيرا أختي أم عمر
مجهود تشكرين عليه
ءامين وإياكم أخي المثنى