الأسئلة الشائعة التقويم بحث متقدم العضو المميز انشط قسم المشرف المميز الموضوع المميز جعل جميع المنتديات مقروءة التّسجيل
 




العودة   منتديات السنا - منتدى أهل السنة والجماعة > قسم منتديات النخبة > منتدى المكتبة Library

المشاركة في الموضوع
 
LinkBack خيارات الموضوع طريقة العرض
 
قديم 20-08-2007, 09:06 PM   #101
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

معاصي البطن



قال المؤلف رحمه الله: [فصلٌ] ومنْ معاصي البطنِ أكلُ الرّبا والمَكسِ والغَصبِ والسرقةِ وكلِّ مأخوذٍ بمُعاملةٍ حرَّمها الشرعُ، وشُربُ الخمرِ وحدُّ شارِبِها أربعونَ جلدةً للحرّ ونصفُها للرقيقِ وللإمامِ الزيادةُ تعزيرًا.

الشرح: أن هذا الفصلَ عُقِدَ لبيانِ معاصي الجوارحِ السبعةِ اليدِ والبطنِ واللسانِ والرجلِ والفرجِ والأذنِ والعين قال الله تبارك وتعالى: {إنَّ السَّمعَ والبَصَرَ والفؤادَ كلُّ أولَئِكَ كانً عنهُ مسئولاً} [سورة الإسراء/36] أفهَمَنا الله تبارك وتعالى بذكرِ الفؤادِ مَعاصي القلبِ وبذكرِ السمعِ والبصرِ معاصي الجوارح لنَحفَظَها.

وقد ذُكِرَ في هذا الفصلِ أشياءُ في ذلك منها الربا، فكلُّ مالٍ يدخلُ على الشخصِ بطريق الربا أكلُهُ حرام، والمرادُ بالأكلِ هنا الانتفاعُ بهِ سَواء كان أكلاً واصِلاً للبطنِ أو انتفاعًا باللُبسِ أو انتفاعًا بغير ذلكَ منْ وجوهِ التصرفاتِ بأنواعِ الانتفاعات. وما كانَ واصِلاً إلى يدِ الشخص مِن طريقِ الربا من المالِ فهو كبيرةٌ، سواءٌ في ذلكَ الآخذ والدافعُ والعاملُ في ذلك بنَحو الكتابةِ لعُقودِ الربا بينَ المترابينَ لحديثِ "لعنَ رسولُ اللهِ ءاكلَ الربا ومُوكِلهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَهُ" [1] وفي روايةٍ "وشاهِدَيهِ" [2]، فاللعنُ المذكورُ في الحديثِ شَمَلَ الكاتبَ إنْ كانَ يكتبُ بأجرةٍ أو بغيرِ أجرةٍ والشاهِدَينِ سواءٌ كانا بأجرةٍ أو بغير أجرةٍ، وقد مرَّ بيانُ أنواعهِ.

ومن ذلكَ المَكسُ، أي أكلُ المَكْسِ وهو ما يأخذهُ الظَّلَمةُ مِن السلاطينِ مِنْ أموالِ الناسِ على البضائِعِ والمَزارع والبساتين وغير ذلك. والمَكسُ منَ الكبائرِ بلا خِلافٍ فالذي يعْمَلُ فيه بالكتابةِ عاصٍ ءاثمٌ إلا أنْ كان يقصدُ بالكتابةِ حفظَ حقوقِ الناسِ إلى أن تُردَّ عليهم إن تيسَّرَ وهذا على سبيلِ الفَرْضِ والتقديرِ وإلا فالذي يَحصُلُ منَ الناسِ الذينَ يكتبونَ في ذلكَ بعيدٌ عن ذلك. قالَ البغويُّ "الماكسُ مَنْ يأخذُ مِنَ التُّجارِ إذا مَرُّوا عليهِ شيئًا مثلَ الزكاةِ" اهـ، قال المُنذريُّ "الآنَ يأخذونَ مكسًا ءاخرَ ليسَ باسمِهِ ولكنهُ حرامٌ سُحْتٌ". اهـ.

ولا يُجزئ دفعُ الزكاةِ إليهم لأنهم لا يأخذُونَها على اعتبارِ أنها زكاةٌ لِتُوزَّعَ في مصارِفها الشرعيةِ، والذي يدفعُ إليهم وهو يعلمُ ذلكَ فقدْ أضاعَ الزكاةَ ولم تَبْرأ ذمتُهُ منها. وفي الحديثِ الصحيح الذي رواه مسلم [3] "إنها" أي المرأةَ الزانيةَ التي طهَّرت نفسها بالرجمِ الذي رُجِمَتْهُ بأمر النبي "تابَت توبةً لو تابَها صاحبُ مَكْسٍ لغُفِرَ له" إشعارٌ بِعُظمِ معصيةِ المكسِ. وليسَ المرادُ بهذا الحديث أنّ المكسَ أشدّ ذنبًا من الزنى.

.............................

[1] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب البيوع: باب في ءاكل الربا وموكله.
[2] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساقاة: باب لعن ءاكل الربا وموكله.
[3] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحدود: باب من اعترف على نفسه بالزنى.

يتبع....



أخي الكريم أختي الكريمة هل أديتما الصلاة الواجبة ؟


إخواني وأخواتي بارك الله فيكم جميعا لا تأخذوا بما أقوم بطباعته من الكتب إلا بعد أن تحرروا ما فيها، فلعل في بعضها خطأ أو سقط في طباعتها شيء، أو احتوت من هذا القبيل خطأ كالذي يقع به الناسخ، فانتبهوا من ذلك قدر جهدكم ودمتم سالمين، وأذكركم بقول أبي حيان:

يظنُّ الغمْرُ أنَّ الكتْبَ تهدي .. أخا جهل لإدراكِ العلومِ
وما يدري الجهولُ بأنَّ فيها .. غوامض حيَّرتْ عقلَ الفهيمِ
إذا رمتَ العلومَ بغير شيخٍ .. ضللتَ عن الصراطِ المستقيمِ

 
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:09 PM   #102
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

تحذيرٌ


إنَّ بعضَ الناسِ لا يَرونَ المَكْسَ معصيةً وقدْ قالَ بعضُ الجهلةِ إنّهُ حقُّ السلطانِ، قال النوويُّ في بعضِ تآليفهِ إنَّ هذه التسميةَ ردةٌ. وينبغي حملُ كلام النوويّ على غيرِ قريبِ عهدٍ بإسلام وناشئ بباديةٍ بعيدةٍ عن العلماءِ وغير متأوّلٍ بأنهُ يُحتاجُ إليهِ لخدمةِ البلادِ الضروريةِ فإن هؤلاء الثلاثةَ لا يُكَفَّرونَ إنْ سَمَّوها هذه التسمية. والجوابُ عن قولهم هذا أن يُقال إن الحاكم إذا لم يَجِدْ في أموالِ بيتِ المالِ الشرعيّ ما يُنفقهُ لخدمةِ البلادِ وحفظِها يَفْرِضُ على الأغنياءِ لِسَدِّ الضروراتِ بقدرِ ما يكفي لها، فيأخُذُ منهم لذلك برضاهم وبغيرِ رضاهُم.

في الدولةِ الإسلاميةِ إن كان هناكَ بيت مال فيه ما يَسُدُّ حاجات الناس يُقتصرُ على ذلك وإن لم يكن عندهم ذلك يفرض الملِك على الأغنياء من أموالهم القدْر الذي تسد به الحاجات هذا الذي يجوز في الشرع. في الماضي أيام أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم من الخلفاء كان بيت المال من الغنيمة ومن مال من يموت ولا وارثَ له والزكاة ونحو ذلك من هنا كان بيت مال المسلمين يقوم أما الآن فلا يوجد جهاد للكفار يُحصّلُ منه المسلمون على الغنائم فيجوز للملِك أن يأخذ من الأغنياء أي ممن له شئ زائد على كفايتهِ قدرًا تسد به حاجات الجيش وغير ذلك.

ومنْ معاصي البطن أكل مال الغَصْبِ، والغصبُ هو الاستيلاءُ على حقّ الغيرِ ظُلمًا اعتِمادًا على القُوَّةِ، فخَرجَ ما يُؤخَذُ منَ الناسِ بحقّ كالذي يأخذُهُ الحاكمُ لِسَدّ الضروراتِ مِنْ أموالِ الأغنياء إذا لم يوجَدْ في بيتِ المالِ ما يكفي لذلكَ، فإنَّ ذلكَ ليسَ غَصْبًا بل نَصَّ الفقهاءُ على أنّهُ يجوزُ أن يأخذَ الحاكمُ من أموالِ الأغنياء ما تقتضيهِ الضروراتُ ولو أدَّى ذلك إلى أنْ لا يتركَ لهم إلا نفقةَ سنة، وهذا مِن جملةِ النظامِ الإسلامي، وأيُّ نظامٍ أحسنُ من هذا.

ومن ذلكَ أكل مال السرقة، وهي أخذُ المالِ خُفيةً ليسَ اعتِمادًا على القُوةِ ويلتحقُ بذلك أكلُ مالٍ مأخوذٍ بمُعاملة حرَّمها الشرعُ مما مرَّ بيانُه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنَّ أناسًا يتخَوَّضونَ في مالِ الله بغيرِ حقّ فلهُم النارُ يومَ القيامةِ" رواه البخاري [1] من حديثِ خَولة الأنصارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما أبشعَ قولَ بعضِ الماجِنينَ السُّفهاءِ: السارقُ منَ السارقِ كالوارثِ من أبيه، فهذا الكلامُ وأمثالهُ تكذيبٌ للشرعِ لأنّ منَ المعلومِ من الدينِ بالضرورةِ حُرمة أكلِ المالِ المسروقِ ولو انتقلَ إلى أيدٍ متعددةٍ على تلكَ الأيدي كلّها وأنّه يجبُ رَدُّهُ إلى المَسروقِ منه الأول، وكذلك قولُ بعضهم: لا يتجاوز الحرامُ ذِمَّتينِ، وهم يقصدونَ بذلكَ أنَّ المالَ الحرامَ إذا أخذهُ شخصٌ ثم أعطاهُ لشخصٍ ءاخرَ ثم بعدَ ذلكَ الشخصُ الثاني أعطى المالَ شخصًا ثالثًا لم يحرُم على الثالثِ معَ العلمِ بحالِ هذا المال، وهذا والعياذ بالله كفرٌ، إنما الذي هو مذكورٌ عندَ الفقهاءِ مقرَّر أنَّ المالَ الحرامَ إذا لم يُعرفْ أصحابهُ إلى أن أُيِسَ مِن معرفةِ أصحابهِ يكونُ كمالِ بيتِ المال الذي هو مُرصَدٌ مُهيَّأ للمُحتاجين وغيرهم منَ المصالحِ العامةِ ولا يجوزُ أن يأخذ منهُ الشخصُ المكتفي لنفسهِ فليُعلم هذا، ولا يُلتفتُ إلى أولئكَ الذينَ يُدخِلونَ في دين الله ما ليسَ من دينِ الله.

فيصل مولوي أفتى لرجلٍ سألهُ قائلاً أنا طالب علم في يوغوسلافيا أخي ينفقُ عليّ وأخي يعمل في الربا فهل يجوزُ لي هذا المال قال فيصل نعم للقاعدةِ الشرعية لا يتجاوز الحرام ذمّتينِ اهـ وهذه المقالةُ ردّة إن حصلت من مسلمٍ ومع هذا يسمّيه أتباعه فقيه الجماعة.

.................................

[1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فرض الخمس: باب قول الله تعالى: {فأنَّ للهِ خسمةُ وللرسولِ} [سورة الأنفال/41].

يتبع....
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:14 PM   #103
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

فائدة. لو أخذَ الشخصُ منْ غيرهِ بطريقٍ جائزٍ ما ظنَّ حِلَّهُ وهو حرامٌ باطنًا فإنْ كانَ ظاهرُ المأخوذِ منهُ الخيرَ لم يُطالَبْ في الآخرةِ قال صاحبُ فتحِ المعين ولو اشترى طعامًا بثمنٍ في الذمةِ وقضى مِنْ حرام فإنْ أقبَضهُ له البائعُ برضاهُ قبلَ تَوفيةِ الثمنِ حلَّ له أكلهُ أو بعدها مع علمِهِ أنهُ حرامٌ حلَّ أيضًا وإلا حَرُمَ إلى أن يُبرئهُ أو يوفّيَه من حِلّ، قالهُ شيخنا اهـ ويعني بقولِ شيخنا ابن حجر أي الهيتميَّ من متأخري الشافعية. ومعنى ذلك أنه إن أبرَأهُ فقال له لا أريدُ منكَ أن توفّيني الثمنَ مِن حلالٍ بَرِئَ وإلا لا بدَّ أن يعطيَهُ من مالٍ حلال.

وفي الدُرِّ المُختارِ من كُتبِ الحنفيةِ [1] "اكتَسَبَ حرامًا واشترى به أو بالدراهمِ المَغصوبةِ شيئًا قال الكَرخيُّ إنْ نقَدَ قبلَ البيعِ تصدَّقَ بالربحِ وإلا لا، وهذا قياسٌ وقال أبو بكرٍ كلاهُما سواءٌ ولا يَطيبُ له وكذا لو اشترى ولم يَقُلْ بهذه الدراهمِ وأعطى منَ الدراهم، [ولو] دفعَ مالهُ مُضاربةً لرجلٍ جاهلٍ جازَ أخذُ ربحِهِ ما لمْ يُعلَمْ أنهُ اكتسبَ الحرامَ" اهـ.

وفي ردّ المحتارِ ما نصه [2] "توضيح المسألةِ ما في [التتارخانيّة] حيث قال رجلٌ اكتسبَ مالاً من حرام ثم اشترى فهذا على خمسةِ أوجهٍ:

[1] إما أنهُ دفعَ تلكَ الدراهمَ إلى البائعِ أولاً ثم اشترى منه بها.
[2] أو اشترى قبلَ الدفعِ بها ودفعها.
[3] أو اشترى قبلَ الدفعِ بها ودفعَ غيرها.
[4] أو اشترى مُطلقًا ودفعَ تلكَ الدراهم.
[5] أو اشترى بدراهمَ أُخَرَ ودفعَ تلكَ الدراهم.

قال أبو نَصْرٍ يطيبُ له ولا يجبُ عليه أن يتصدَّقَ إلا في الوجهِ الأولِ وإليهِ ذهبَ الفقيهُ أبو الليث، لكن هذا خلافُ ظاهرِ الروايةِ فإنهُ نصَّ في الجامعِ الصغير: إذا غصَبَ ألفًا فاشترى بها جاريةً وباعَها بألفَين تصدَّقَ بالربحِ، وقال الكرخيُّ في الوجهِ الأولِ والثاني لا يطيبُ وفي الثلاثِ الأخيرةِ يَطيبُ، وقال أبو بكرٍ لا يطيبُ في الكلّ لكنَّ الفتوى الآن على قولِ الكرخيّ دفعًا للحَرَجِ عنِ الناس. انتهى. وفي الوَلْوالِجيّةِ وقال بعضهم لا يطيبُ في الوجوهِ كلّها وهو المختار، لكن الفتوى اليومَ على قولِ الكرخيّ دفعًا للحرَجِ لكثرةِ الحرام. انتهى. وعلى هذا مشى المصَنِفُ في كتابِ الغَصْبِ تبعًا للدررِ وغيرها اهـ.

واعلم بأنَّ مسألةَ الفرقِ بين ما إذا دفعَ الشخصُ المالَ إلى البائعِ فدفَعَ إليهِ البائعُ المَبيعَ وبينَ ما إذا اشترى الشئَ بثمنٍ غيرِ مُعَيَّنٍ بل قال اشتريتُ منكَ هذا الشئَ بكذا ثم أقبضَهُ البائعُ إيّاهُ ثم دفعَ له الثمنَ الذي كانَ في ذمتهِ لها أصلٌ أصيلٌ واعتبارٌ عندَ المُجتهدينَ وذكرها الإمامُ المجتهد أبو بكر بن المنذر فلا عِبرةَ بِتَوَهُّم متوهِّم جاهل بالفقهِ يَظنُّ بنفسهِ أنه من أهلِ الفَهمِ والمعرفةِ بالفقهِ فيُنكرُ هذا الفرقَ ويعتبرُ المسألتَينِ في حُكم واحدٍ، وهذا بعيدٌ من الفقهِ ولولا بُعدهِ البعيدُ لم يَتوهم ذلك، وفي هذا فُسحةٌ كبيرةٌ ولا سيّما في هذا العصرِ الذي كثُرَ فيهِ المالُ الحرام، لأنّ خلقًا كثيرًا يَجمعونَ مالاً حرامًا ثم يشترونَ أراضيَ أو أبنيةً أو غيرَ ذلكَ ويكونُ المالُ الذي يَجعلونهُ ثمنًا مِن هذا الحرام فإذا قيلَ لهم هذه الأرضُ وهذا البناءُ وغيرَ ذلكَ مما اشترَيتُموه رُدُّوهُ إلى أصحابهِ واسترِدُّوا المالَ الذي دفعتموهُ منهُم ثم ردُّوهُ إلى مَنْ أخذتُمْ منه ذلكَ المالَ الحرامَ لِعدمِ صحةِ شرائِكُم يَستَصعِبونَ ذلكَ غايةَ الاستِصعاب، ولكنهم إذا دُلُّوا على هذا الفرقِ يَهُون عليهم الأمرُ، لأنهم في الغالبِ يشترونَ الأشياءَ من غيرِ تعيينِ الثمنِ ثم يُوَفُّونَ مما بأيديهم، وجزى الله الفقهاءَ الذينَ وضعوا للناسِ أمثالَ هذا المَخرجِ خيرًا.

ثمَّ السبيلُ إلى النجاةِ في الآخرةِ مِنْ مُطالبةِ أصحابِ الأموالِ بحقوقهم حيثُ إنهم لم يقبضوا الأثمانَ منْ مالٍ حلال أن يُوَفِّيَ هؤلاء المُشترونَ الأثمانَ من مالٍ حلالٍ يستفيدونَهُ بعدَ ذلكَ ببيعِ هذه الأغراضِ التي اشتروها أو ما يجتمعُ عندهم من غلاتِها بالإيجارِ ونحوهِ، أو يُستَسمَحونَ فيقولونَ لمن اشتروا منهم المالُ الذي دفعناه إليكم كان من مالٍ حرامٍ فسامِحونا فإذا سامَحُوهم نفعهم ذلك في الآخرةِ.

ومن معاصي البطنِ شرب الخمرِ وهو من الكبائرِ وهي كما قال عمر "ما خامرَ العقلَ" أي غيَّرهُ رواه عنهُ البخاري [3] في الصحيح في كتاب الأشربة. وقد اعتيدَ في بعض البلادِ تسميةُ بعض الأشربةِ التي هي مُسكرةٌ باسمٍ خاصّ فاستحلوا شُربها كما يحصلُ ذلك في بعضِ بلادِ الحبشةِ، عندهم شاربٌ يتّخذونهُ من بعضِ الحبوبِ يُسَمُّونهُ في بعضِ النواحي قُراري وفي بعضِ النواحي شَلَلي ولا فرقَ في الحقيقةِ بينَ هذا والخمرِ الآخرِ الذي يَعتبرونهُ حرامًا ويتجَنَّبونهُ إلا أنَّ هذا أخفُّ من ذاك، فكيفَ خفيَ عليهم الحكمُ الشرعيُّ، وما ذاكَ إلا لِغَلبةِ الهوى فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما أسكرَ الفرقُ منه فمِلءُ الكفّ منهُ حرام" رواه أبو داود [4]. والفرقُ مِكيالٌ يقال إنه يسعُ ستةَ عشرَ رِطلاً.

وأما حدُّ الخمرِ فهو في الأصلِ بالنسبةِ لشاربها الحرّ أربعونَ جَلدة وللرقيقِ عشرون، ثم إذا اقتضتِ المصلخةُ الزيادةَ على ذلك جازَ إلى الثمانينَ لفعلِ عمر. قال سيدنا علي رضي الله عنه "جلَدَ رسول الله [أي في الخمر] أربعينَ وجلدَ أبو بكر أربعينَ وجلدَ عمر ثمانين وكلٌّ سنةٌ وهذا أحبُّ إليَّ" أي الأربعونَ رواه مسلم [5].

..................................

[1] الدر المختار [4/219].
[2] انظر الكتاب [4/219].
[3] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأشربة: باب الخمر من العنب وغيره.
[4] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأشربة: باب النهي عن المسكر.
[5] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحدود: باب حد الخمر.

يتبع....
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:21 PM   #104
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

أما الدليلُ على حُرمةِ شرب الخمر من القرءان فقول الله تعالى: {يا أيُّها الذينَ ءامنوا إنَّما الخمرُ والمَيسرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ مِنْ عملِ الشيطانِ فاجتنبوهُ لعلَّكُم تُفلِحون* إنَّما يُريدُ الشيطانُ أن يُوقِعَ بينكم العداوةَ والبغضاءَ في الخمرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عنْ ذكرِ اللهِ وعنِ الصلاةِ فهلْ أنتُم مُنتَهونَ} [سورة المائدة/90-91].

{والميسر} القمارُ، {والأنصاب} نوع من الأوثان وهي حجارةٌ يُهريقُونَ الدم عبادةً لها لأنها تُنصَبُ فتُعبَد، {رِجْسٌ} أي نَجِسٌ أو خبيثٌ مُستَقذرٌ، {من عملِ الشيطان}، لأنه يَحمِلُ عليه فكأنَّهُ عملهُ والضميرُ في {فاجتنبوهُ} يرجِعُ إلى الرجسِ أو إلى عملِ الشيطان، {لعلَّكم تُفلحون} أكَّدَ تحريمَ الخمرِ والمَيسرِ منْ وجوهٍ حيثُ صدَّرَ الجُملةَ بإنما وقرنها بعبادةِ الأصنامِ وجَعلهما رِجْسًا مِنْ عملِ الشيطانِ ولا يأتي منه –أي الشيطان- إلا الشرُّ البَحْتُ وأمرَ بالاجتنابِ وجعلَ الاجتنابَ منَ الفلاح، وإذا كان الاجتنابُ فلاحًا كانَ الارتكبابُ خسارًا. وفي قوله تعالى {إنما يريدُ الشيطانُ أن يُوقِعَ بينكم العداوةَ والبغضاءَ في الخمرِ والميسرِ ويصدكم عن ذكرِ الله وعن الصلاةِ} بيانُ ما يتولّدُ من الخمر والميسرِ من الوبالِ وهو وقوعُ التعادي والتباغُضِ بينَ أصحابِ الخمر والقمار وما يؤديانِ إليهِ منَ الصدّ عن ذكرِ الله وعن مراعاةِ أوقاتِ الصلاةِ وخصَّ الصلاةَ من بينِ الذكرِ لزيادةِ درجتها كأنه قال وعن الصلاة خصوصًا، وإنما جمعَ الخمرَ والميسرَ معَ الأنصابِ والأزلام أوّلاً ثم أفردهما ءاخرا لأنّ الخطابَ مع المؤمنين، وإنما نهاهُم عما كانوا يتعاطونهُ من شربِ الخمر واللعبِ بالميسرِ وذكرَ الأنصابَ والأزلامَ لتأكيدِ تحريم الخمر والميسر وإظهارِ أن ذلك جميعًا من أعمالِ الشركِ ثم أفردهما بالذكرِ ليُعلمَ أنهما المقصودُ بالذكر. وقوله تعالى: {فهلْ أنتم مُنتَهون} مِن أبلغِ ما يُنهى به كأنهُ قيل قد تُليَ عليكم ما فيهما من أنواع الصوارِفِ والزواجرِ فهل أنتم معَ هذه الصوارِفِ منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تُوعظوا ولم تُزجروا. ويفهم من الآية أيضًا أنَّ القِمار من الكبائر وله صورٌ عديدة.

وروى الإمام أحمدُ من حديثِ ابن عباس قالَ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "أتاني جبريلُ عليه السلامُ فقال يا محمدُ إنَّ اللهَ لعنَ الخمرَ وعاصِرها ومُعتَصِرها وبائِعِها ومُبتاعَها وشارِبها وءاكلُ ثَمَنِها وحامِلها والمَحمولةَ إليهِ وساقيها ومُستَقيها". وليس في الحديث أنّ الناظرَ إليها ملعون كما شاعَ على ألسنةِ بعض العوامّ بل قولُ ذلكَ على الإطلاقِ ضلالٌ وكفرٌ والعياذ بالله.

وروى البخاري ومسلمٌ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "مَنْ شرِبَ الخمرةَ في الدُّنيا يُحرَمُها في الآخرةِ". أي إنْ لم يتُبْ يُحرمُ شُربَ خمرِ الجنةِ الذي لا يُسكرُ ولا يُصدِعُ الرأسَ وليسَ نجسًا. فقوله تعالى {فاجتنبوهُ} مع قوله {فهل أنتم مُنتَهون} دليلٌ على حُرمةِ شربِ الخمر، وقبلَ نزولِ هاتَينِ الآتينِ لم تكنِ الخمرةُ مُحرَّمةً على أمةِ محمد أي إذا كانت إلى القدْر الذي لا يضُرُّ الجسم. ومع ذلك فإنّ الأنبياء لا يحثُّونَ أمَمَهُم على شربِ الخمرِ لأنّ ذلك ينافي حكمةَ البِعثةِ التي هي تهذيبُ النفوس، وقليلُ الخمر يؤدي إلى كثيره. وما يزعم بعضهم من أن سيدنا عيسى قال قليل من الخمرِ يفرّح قلبَ الإنسانِ فهو كذبٌ عليه.

وأما قوله تعالى {يا أيُّها الذينَ ءامنوا لا تَقرَبوا الصلاةَ وأنتُم سُكارى حتى تَعلموا ما تقولون} [سورة النساء/43] فهذا نزلَ قبلَ التحريم، وكذلكَ قوله تعالى {يسئلونكَ عنِ الخمرِ والمَيسرِ قُلْ فيهما إثمٌ كبيرٌ ومَنافِعُ للناسِ وإثمهما أكبرُ من نفعهما} [سورة البقرة/219] فهذا أيضًا ليسَ تحريمًا، لأنهم ظلُّوا يشربونَ الخمرَ بعدَ نزولِ هاتينِ الآيتَين بل لما نزلت هاتان الآيتانِ قالَ سيدنا عمر رضي الله عنه "اللهمَّ بيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا" رواهُ أصحابُ السنن الأربعةِ أبو داود والترمذي والنسائي وابنُ ماجه. ولم يَفهم سيدنا عمر ولا غيره منَ الصحابةِ التحريمَ من هاتينِ الآيتين، وانقطعوا عن شُربها لما نزلَ قوله تعالى {فاجتنبوهُ} مع قوله تعالى {فهلْ أنتُم مُنتهون} لأنهم فَهِموا منهُ التحريمَ القطعيَّ. والله تعالى تسهيلاً عليهم حتى لا يكونَ عليهم مشقةٌ زائدةٌ في الإقلاعِ عن شُربِ الخمرِ أنزلَ التحريمَ شيئًا فشيئًا. ثم لما نزلَ قوله تعالى {فاجتنبوهُ}، مع قوله تعالى {فهل أنتم مُنتَهون} قال سيدنا عمر "انتَهَينا انتهينا" وأراقوا الخمرَ حتى جرت في السّكَكِ. وأما قوله تعالى {تتخذونَ منهُ سَكرًا ورِزقًا حسَنًا} [سورة النحل/67] فقد قالَ بعضُهم السَّكَرُ هوَ الخَلُّ وقال بعضهم هذه الآيةُ نُسِخَت لما نزلت ءايةُ التحريم.

وكما يَحرمُ شربُ الخمرِ يحرمُ بيعُها ولو لغيرِ شُربها لحديثِ البخاري ومسلم "إنّ اللهَ ورسوله حرَّمَ بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزير والأصنام".

والخمرُ قد يكونُ منَ العنبِ أو التمرِ أو العسلِ أو الحنطةِ أو الشعيرِ أو الذرةِ أو البصل أو البطاطا أو التفاح أو غير ذلك. روى مسلمٌ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال "كُلُّ مُسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكِرٍ حرامٌ". وفي لفظ "وكلُّ خمرٍ حرام".

فكلُّ شراب غيَّرَ العقلَ معَ الطربِ أي مع النشوةِ والفرح فهو خمرٌ إنْ كان من عنبٍ أو عسلٍ أو ذرةٍ أو شعيرٍ أو غير ذلك. وهذه الأشياءُ إنما تصيرُ خمرًا إذا حصلَ الغليانُ، لما تغلي وترتفعُ ثم تنزلُ عندئذٍ الذينَ يشربونَ الخمرَ يعتبرونها صافيةً، أما قبل الغليانِ فهو حلالٌ يُقال له نبيذٌ حلالٌ فما ينقعُ بالماء إن وصل إلى حد الإسكار أو لم يصل يقال له نبيذ لكن إن لم يصل إلى حد الإسكارِ فهو نبيذ حلال.

أما عصيرُ العنبِ فيصيرُ خمرًا بعدَ الغليانِ مِنْ دونِ أن يُخلَطَ بهِ شئٌ، أمّا العسلُ والشعيرُ والذُّرةُ والزَّبيبُ والتمرُ إنَّما يصيرُ خمرًا لما يوضَعُ فيه ماءٌ ثمَّ يَمكثُ مُدّةً ثم يغلي أي يرتفعُ ويطلَعُ منهُ صوتٌ يُقالُ له نَشيشٌ عندئذٍ يصيرُ خمرًا. وفي النسائي عن ابن عمرَ "كلُّ شرابٍ يَنِشُّ فهو حرامٌ" يُقالُ في اللغةِ العربيةِ نَشَّ الشرابُ ينِشُّ نشيشًا معناهُ طلعَ لهُ صوتٌ، هذا النشيشُ أولُ الخمرِ بعدَ ذلكَ يصيرُ رائِقًا ينزلُ يرجِعُ إلى حيثُ كان، عندئذٍ يُحبُّهُ شَرَبَةُ الخمورِ ويبقى هذا الشرابُ خمرًا إلى أيامٍ طويلةٍ إلا أنهُ بعدَ مُدَّةِ نحوِ أربعينَ يومًا في بعض البلادِ يتغَيَّرُ طعمهُ فيصيرُ حامِضًا فلا يَصلحُ للإسكارِ بعدَ ذلكَ مهما شُرِبَ منهُ صارَ خلاًّ لا يُسكِرُ. والخَلُّ يُعرفُ بالحُموضةِ أمّا الخمرُ طعمُها مُرٌّ لكنْ أولئكَ يستلِذُّونَها معَ ذلك.

ثم إنَّ العسلَ إذا خُلِطَ بالماءِ وسُدَّ فمُ الإناءِ يصيرُ خمرًا في البلادِ الحارةِ في ظرفِ خمسةِ أيامٍ، أما في البلادِ الباردةِ يتأخَّرُ، وإن لم يخلط بشئ وكان العسلُ صافيًا ووُضِعَ في إناء الزجاجِ ونحوهِ يبقى سنواتٍ طويلةَ من غيرِ أن يفسُدَ. ثم إن بعضَ الناسِ يُسكِرُهم قليلُ الخمرِ وكثيره، وبعض الناسِ لا يُسكِرهم إلا كثيرهُ وكلٌّ حرامٌ كما دلّ على ذلكَ ما رواهُ أحمدُ من حديثِ جابر رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال "ما أسكَرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرامٌ" وقال حينَ سُئِلَ عن البِتْع [1] "كلُّ شرابٍ أسْكرَ فهو حرام" رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. لكنْ مَنِ استحلَّ شُربَ القدرِ الذي لا يُسكِر من غيرِ خمرِ العنبِ لا يُكَفَّرُ إلا أن يكونَ يعتقدُ تحريمهُ في الشرع لأنّ هذا مما يَخفى على كثيرٍ من الناسِ. ثم إنَّهُ وردَ في وعيدِ شاربِ الخمرِ حديثٌ صحيحٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو "المُدمِنُ على الخمرِ كعابدِ وثنٍ" رواه البزارُ من حديثِ مُجاهدٍ عن عبدِ الله بن عمرَ وأبو نعيم في الحِليةِ وابن حبان بلفظ "مدمنُ خمر كعابدِ وثنٍ" ومعناه أن الذي يُواظبُ ويُداوِمُ على شُربها ذنبهُ كبيرٌ كأنَّهُ يعبدُ الوثنَ في شدَّةِ إثمِهِ وقد يُبتَلى بسوءِ الخاتمةِ عندَ الموتِ فبعضُ الناسِ الشيطانُ يتَخَبَّطُهُم عندَ الموتِ ويأتيهم بخواطرَ خبيثة فيَكفرونَ ومَنْ حولهم منَ الناسِ لا يعرفون. وقد علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقولَ في دعائِنا "اللهمّ إني أعوذُ بكَ من أنْ يتخبَّطني الشيطانُ عندَ الموت" فإنَّ بعضَ الناسِ عندَ الموتِ ترتبطُ ألسنتهم ويُصيبهم عطشٌ شديد فيأتيه الشيطان وبيدهِ الماء ويقول له اكفر أسقِكَ فمن ثبّتهُ اللهُ يَصْبِرُ ولا يلتفتُ إليه.

ثم إنّ شُربَ الخمرِ من أكبرِ الكبائرِ لكنْ هيَ أخفُّ من الزنى، بعدَ قتلِ النفسِ المؤمنةِ التي حرَّمَ الله أشدُّ الذنوبِ الزنى وبعدهُ ترك الصلاةِ وأكل الربا وشُربُ الخمر.

وأما القولُ بنجاسةِ الخمرِ فهو مذهبُ أكثرِ الأئمةِ منهم الأربعة مالك والشافعيُّ وأحمد وأبو حنيفة فإذا أصابتْ ثوبًا أو بدنًا يجبُ تطهيرُهُ عندَ القيامِ للصلاةِ، وقالَ بعضُ الأئمةِ بطهارتها وهوَ إمامٌ مجتهدٌ في العلمِ يُقالٌ لهُ ربيعةُ بنُ عبد الرحمنِ شيخُ الإمام مالكٍ ومع ذلك أجمعوا على أنهُ يحرمُ شُربُها وبيعها وشِراؤها، فإنهُ لم يَرِدْ في القرءانِ ولا في الحديثِ نصٌّ على نجاسةِ الخمرِ، إنما وردَ النص الصريح بتحريمِ شُربها وبيعها وشِرائها ونحو ذلك فمَنْ أنكرَ حُرمةَ شُربها وبيعها وشرائها لمن يريدها للشرب كفر.

وأمّا ما روى مسلمٌ وأبو داود وغيرهما من حديثِ وائلٍ الحَضرميّ أنّ طارقَ بنَ سُوَيد رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمرِ يصنعُها للدواءِ فقال "إنَّها ليستْ بدواءٍ ولكنّها داءٌ" فليسَ معناهُ أنه ليسَ فيها شِفاءٌ مِنْ أيّ مرضٍ إنّما المعنى ليست بدواءٍ طيبٍ بل هيَ دواءٌ خبيثٌ فهي لكثرةِ مضارّها كأنّها ليسَ فيها شئٌ من الشفاءِ. وليسَ مُرادُ الرسول عليهِ الصلاةُ والسلام أنه ليسَ فيها شفاءٌ بالمرةِ، لأنَّ وجودَ الشفاءِ بها مِنْ بعض الأمراضِ شئٌ محسوسٌ، فتفسيرُ الحديثِ على الظاهرِ غَلَطٌ كبيرٌ بل الأطباءُ القُدماءُ والمُحدثونَ أجمعوا على أنّها تشفي من بعضِ الأمراض، وهذا يدخلُ في نوع منَ المَجازِ وهوَ مجازُ الحذفِ، فالتقديرُ في قولهِ ليستْ بدواءٍ أي ليست بدواءٍ طيب.

ويدلُّ على وجودِ المنفعةِ فيها قوله تعالى {قُلْ فيهِما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناسِ} [سورة البقرة/219] لكن الذينَ نَفَوا وجودَ المنفعةِ فيها قالوا كانَ فيها منافعُ ثمَّ سُلِبَتْ منافعُها.


............................

[1] البِتعُ هو نبيذ العسل إذا صار خمرًا.

يتبع.....
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:23 PM   #105
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

ثم إنّ المسكِّراتِ لم ينزل تحريمُها إلا بعدَ الهجرةِ، أما قبلَ ذلكَ الناسُ كانوا ينتفِعونَ بها، كانوا يشربونَ الخمرَ للتدفُّئ، ويشربونها فيصيرُ عندهم نشاطٌ بلا معصيةٍ ثم لمَّا حُرِّمَتْ حُرِموا تلكَ المنافعَ التي فيها.

وأما التداوي بالخمرِ فقد ذهبَ جمهورُ الفقهاءِ إلى القولِ بحرمتهِ وهذا هوَ ظاهرُ الروايةِ في المذهبِ الحنفيّ وهو المُعتَمَدُ عندهم وبهِ قالَ المالكيةُ وهوَ الصحيحُ عندَ الشافعيةِ وهو مذهبُ الحنابلة.

وذهبَ بعضُ الفقهاءِ إلى القولِ بجوازِ التداوي بها بثلاثةِ شروطٍ الشرطُ الأولُ أن تتَعيَّنَ عِلاجًا دونَ غيرها وإلا ففي غيرها مندوُحةٌ أي سعةٌ عنها. والشرطُ الثاني أن تكونَ بمقدارٍ قليلٍ بحيثُ لا يُسكرُ ولا يُذهبُ العقلَ لئلا يتداوى من شئٍ فيقعُ في أشدَّ منهُ. والثالثُ أن يَصِفها طبيبٌ مسلمٌ ثقةٌ لأنَّ غيرَ المسلمِ لا تُقبَلُ شهادتهُ فيما يتعلقُ بالطبِّ.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام "لا يشربُ الخمرَ الشاربُ حينَ يشربها وهو مؤمنٌ" فليسَ معناهُ أنه يخرجُ منَ الإسلامِ بمجردِ الشرب بل معناهُ لا يكونُ إيمانهُ كامِلاً.

وقد روى البيهقي أنهُ قيلَ لبعضِ العربِ: لمَ لا تشربُ النبيذَ [أي النبيذ المحرم] فقال: والله ما أرضى عقلي صحيحًا فكيفَ أُدخِلُ إليهِ ما يُفسِدُهُ.

وقال الحُسينُ بن عبد الرحمن:

أرى كلَّ قوم يَحفظونَ حريمهُم *** وليسَ لأصحابِ النبيذِ حريمُ
إذا جئتهُم حيَّوكَ ألفًا ورحَّبوا *** وإنْ غبتَ عنهُم ساعةً فذَميمُ

المعنى أنهم في وجهكَ يُعَظِّمونكَ ويُكرِمونكَ ثمّ في خلفِكَ يذُّمونكَ.

أخاهُم إذا ما دارتِ الكأسُ بينهُم *** وكلُّهم رَثُّ الوِصالِ سَئُومُ
فهذا ثنائي لم أقلْ بجهالةٍ *** ولكنْ بحالِ الفاسقينَ عليمُ

معناهُ خبيرٌ بأحوالِ شربَةِ الخُمور.

قال بعض الشعراءِ مبَكّتًا لبعض الناسِ الذينَ يعتبرونَ الخمرَ التي من غير عصير العنب حلالاً إلا القدرَ المسكر بالفعل:

فيشربها ويزعمها حلالاً *** وتلكَ على المسيء خطيئتانِ
وأشربُها وأزعمُها حرامًا *** وأرجو عَفْوَ ربي ذي امتنانِ

هؤلاء المتأوّلونَ تأوّلوا فأخطأوا في التأويلِ ولولا تأويلُهم لكفروا بهذا الاعتقاد، هم تأوّلوا النصوص التي وردت في الشرعِ أنها لا تحرّم إلا القدر الذي يُسكِرُ أما ما دونَ القدر الذي يُسكر فحلال. الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول هؤلاء إذا شربوا النبيذ المسكر نقيمُ عليهم الحدّ لكن لا نكفّرهم لأنهم متأوّلون.

يتبع.....
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:25 PM   #106
مخضرم
إفتراضي

 

تنبيهٌ. الخَلُّ المُباحُ أن يُصَبَّ على العنبِ أو العصيرِ خلٌّ قبلَ غَليانِهِ حتى لا يغليَ نصَّ على ذلك أحمدُ في روايةِ الجماعةِ، وروى أبو داودَ قال: سمعتُ أحمد سُئِلَ عن الخلّ يُتَّخَذُ قال: يُصَبُّ عليه الخَلُّ حتى لا يغليَ قيلَ: صُبَّ عليه الخلُّ فغلى قال: يُهْراقُ قال: قلتُ لأحمد: فإنَّ رجلاً فعلَهُ فغلى ثم جعلهُ خلاًّ أيشربه؟ قال: نعم إذا كانَ خلاًّ.

من أرادَ تخليلَ العنبِ يشترطُ أن يزيلَ العروقَ والقشورَ والبذورَ منه، يُعصَرُ ثمَّ يُخلَّلُ هكذا الشرطُ عندَ الشافعي، عندهُ يشترطُ أن لا يكونَ هناكَ عينٌ غيرُ سائل حتى لا يتنجسَ الخلّ بهذه العروق والقشور والبذور. وقال بعضهم إن هذه لا تؤثرُ فيبقى طاهرًا عندهم ولو مع وجودها.

وأما بيعُ العنب لمن يتّخذهُ خمرًا فهو حرامٌ بالإجماعِ فقد روى الطبراني في الأوسط بإسناد حسن عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حبسَ العنبَ أيامَ القِطافِ حتى يبيعهُ ممّن يتخذهُ خمرًا فقدْ تقحَّمَ النارَ على بصيرةٍ". وأما ما نُقِلَ عن أبي حنيفة من أنه قال ويجوزُ بيع العنب لمن يعتصره خمرًا فمعناه يصحُّ البيع مع المعصية وليس معناه لا معصية فيه كما نصَّ على ذلك صاحبُ كتاب إعلاء السنن من الحنفية.

يتبع....
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:27 PM   #107
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

قال المؤلف رحمه الله: ومنها أكلُ كلّ مُسكرٍ.

الشرح: أن منْ معاصي البطنِ أكلَ كلّ مُسكرٍ. وليُعلم أنَّ الإسكارَ هو تَغيُّر العقلِ مع الإطرابِ أي معَ النشوةِ والفرحِ. وأما مجردُ تغيير العقلِ بلا إطرابٍ وكذلك تخديرُ الحواسّ من غيرِ تغييرِ العقلِ فلا يُسمّى ذلكَ الشئُ خمرًا ولكنهُ حرامٌ حتى قال ابن دقيقِ العيدِ في جوزةِ الطيبِ إنها مُسكرةٌ ووافقهُ بعض الشافعيةِ. وأما المخدراتُ فليست مسكرةً ولكنّ تحريمها يُفهم من قول الله تعالى: {ولا تقتُلوا أنفسكم} [سورة النساء/29] فأفهَمَتنا الآيةُ أنَّ كلَّ ما يؤدّي بالإنسانِ إلى الهلاكِ فهو حرامٌ أن يتعاطاهُ، وكذلك يُفهمُ ذلك من الحديث الذي رواه أبو داود وهو أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكرٍ ومُفترٍ فالمخدراتُ تدخلُ تحت كلمة مُفترٍ، والمُفترُ هو ما يُحدِثُ في الجسمِ والعينِ أثرًا ضارًا.

يتبع....
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:28 PM   #108
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

قال المؤلف رحمه الله: وكلّ نجسٍ ومُسْتَقذرٍ.

الشرح. أنَّ أكلَ النجاساتِ من جُملةِ معاصي البطنِ كالدم المَسفوحِ أي السائلِ ولحمِ الخنزير والمَيتةِ والزيتِ الذي وقعت فيهِ فأرةٌ فماتت ولو كان هذا الزيتُ كثيرًا وذلك لحديثِ البخاريّ عن ميمونةَ رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ فأرةً وقعتْ في سمنٍ فماتت فيه فسُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال "ألْقُوها وما حولها وكلُوه". وزادَ أحمدُ والنسائيُّ "في سمنٍ جامدٍ". وفي روايةِ أحمد وأبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا وقعتِ الفأرةُ في السَّمنِ فإن كانَ جامدًا فألقُوهُ وما حولها وإن كان مائعًا فلا تَقرَبوهُ". وكذلكَ المُستَقذر يحرمُ أكلهُ وذلكَ كالمُخاطِ والمني. وأما البُصاقُ فيكون مُستقذرًا إذا تجمَّعَ على شئ مثلاً بحيثُ تنفِرُ منهُ الطباع السليمةُ أي بعد خروجهِ من الفم أمّا ما دامَ في الفم فليس له حكم المستقذر وأما البلل الخفيف الذي يعلق بالخَيطِ مثلاً أو ملعقةِ الطعام والسواك ونحو ذلك فليس له حكمُ المُستقذر فليَتنبّه لذلك. والمُستقذرُ هو الشئُ الذي تعافهُ النفسُ أي تنفرُ منه طبيعةُ الإنسان.

ومنَ المُستقذرِ الطعامُ الذي أنْتَنَ وطلعتْ رائحتُهُ كريهةً وصار منظرهُ بشِعًا لأنَّ الطبيعةَ تنفرُ منه ولو كانَ طاهرًا. وفي حكمِ هذه المذكوراتِ مِنْ حيثُ الحُرمةُ أكلُ طاهرٍ مُضرٍّ بالبدنِ كالسُّمّ والأفيونِ إلا القليلَ الذي يُنتفعُ به بلا ضرر فإنّ ذلك يُحتاجُ إليه للتداوي فيجوزُ استعمالهُ إنْ غلبتِ السلامة، وكذا ما هُوَ ضارٌّ بالعقلِ كبعضِ النباتاتِ التي تضرُّ بإفسادِ العقلِ بلا طَرب، لكن يجوزُ التداوي به إنْ تعيَّنَ ذلك كأن قالَ طبيبانِ عدْلانِ لا ينفعُ علّتكَ غيرُ ذلك، ولو وقعَ ذبابٌ في طبيخٍ أو تهرّأَ فيه حلَّ أكلهُ، أو نحوُ طائرٍ أو جُزءٍ من ءادميّ لم يَحِلَّ وإن تَهرّأ.

يتبع....
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:35 PM   #109
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

تتمة مسئلة المَيتةِ

ومن معاصي البطن التي هيَ منَ الكبائرِ أكلُ المَيتةِ وأكلُ لحمِ الخِنزيرِ وكذا أكلُ المشكوكِ فيه هل هو مُذَكَّى ذكاةً شرعيةً أم لا. قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عليكُمُ المَيتةُ والدَّمُ ولحمُ الخِنزيرِ وما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ بهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطيحةُ وما أكلَ السَّبعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ على النُّصُبِ} [سورة المائدة/3].

وقال تعالى: {قُل لا أجِدُ في ما أوحِيَ إليَّ مُحَرَّمًا على طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أن يكونَ مَيْتَةً أو دمًا مسْفُوحًا أو لحمَ خِنزيرٍ فإنَّهُ رِجْسٌ أو فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ بهِ} [سورة الأنعام/145].

فالمَيتةُ هيَ البهيمةُ التي تموتُ حَتْفَ أنفِها، أي بلا ضرب ولا قتْل والدَّمُ أي المسفوحُ وهو السائلُ فلا يحرمُ الدمُ الذي في اللحمِ والكَبِدِ والطّحالِ. ولحمُ الخِنزيرِ حرام، وكُلُّهُ نَجِسٌ وإنّما خُصَّ اللحمُ لأنهُ مُعظمُ المَقصودِ، وما أُهِلَّ لغيرِ الله به أي رُفِعَ الصوتُ به لغيرِ الله كقولِهم باسمِ اللاتِ والعُزَّى [1] عندَ ذبحِهِ. لحم الخنزيرِ والدم والميتة حرام في كل الشرائعِ وكذلكَ ما أُهِلَّ لغيرِ الله به وهو كل شئٍ يُسمّى عليهِ اسمُ غير الله عند ذبحهِ لا يؤكل. والمُنخنقةُ هي التي خَنقوها حتى ماتت أو انخَنقتْ بالشبكةِ أو غيرها. والموقودةُ هيَ التي أثخنوها ضربًا بعصًا أو حجرٍ حتى ماتت، والمُتردّيةُ هي التي تردَّت من جبلٍ أو في بئرٍ فماتت، وكذلك التي وقعت في البحرِ فغرقَت، والنطيحةُ هي المنطُوحةُ وهي التي نطحتها أخرى فماتت بالنَّطحِ، وما أكلَ السبعُ بعضهُ وماتَ بجُرحهِ حرام، إلا ما ذكَّيتُم أي إلا ما أدرَكتُم ذكاتهُ قبلَ أن يضطربَ اضطرابَ المذبوحِ، فالاستثناءُ يرجِعُ إلى المُنخنِقَةِ وما بعدها فإنهُ إذا أدركَها وبها حياةٌ مُستقرةٌ فذبَحها من يحل ذبحهُ حلّت.

وما ذُبِحَ على النُّصُبِ هو مثلما كان يفعلهُ الجاهليونَ فإنه كانت للمشركين حجارةٌ مَنصوبةٌ حولَ البيتِ يذبحونَ عليها يُعَظِّمونها بذلك ويتَقَرَّبونَ إليها تُسَمَّى الأنصابَ واحدُها مَصْبٌ أو هوَ جمعٌ والواحدُ نِصابٌ. ففي الحديث "لعنَ اللهُ مَنْ ذبحَ لغيرِ الله" رواه مسلم.

وأمّا ما ذُبِحَ من غيرِ أن يُسمَّى الله عليه عندَ ذبحِهِ عمْدًا مِنْ غيرِ نِسيانٍ فيجوزُ أكلهُ في مذهبِ الإمام الشافعي رضي الله عنه ولا يَحِلُّ أكلهُ في المذاهبِ الثلاثةِ الأخرى مالكٍ وأي حنيفةَ وأحمد بن حنبل وحُجَّتُهم ظاهِرُ الآية {ولا تأكلوا مِمَّا لم يُذكرِ اسمُ اللهِ عليهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ} [سورة الأنعام/121] فإنهم فهِموا منَ الآيةِ أنَّ الأكلَ منه فِسْقٌ إلا أنْ نَسِيَ التسميةَ عندَ ذبحِها فيحلُّ أكلُها عندهم. أمّا الإمامُ الشافعيّ رضي الله عنه فإنه فهِمَ أنّ التسميةَ عندَ الذبحِ سُنَّةٌ ليستْ واجبةً، والآيةُ فسَّرها ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسمُ الله عليه أي مِنْ أجلِ الكُفرِ والشركِ أي رُفِعَ عليه اسمُ غير الله أي للشركِ، وقولهُ تعالى {أو فِسْقًا أُهِلَّ لغيرِ اللهِ بهِ} [سورة الأنعام/145] يُفَسّرُ تلكَ الجملة. ويؤيدُ ذلكَ ما أخرجهُ عبدُ الرزاقِ بإسنادٍ صحيحٍ إلى ابنِ عباسٍ مَوقوفًا عليه ولهُ شاهدٌ عندَ أبي داود في مَراسيلهِ بلفظِ "ذبيحةُ المُسلمِ حلالٌ ذكرَ اسمَ الله عليها أم لم يذكر".

والميتةُ هيَ كلُّ ما زالت حياتُهُ منَ البهيمةِ بغيرِ ذكاةٍ شرعيةٍ. أما الصيدُ فذكاتُهُ أنْ يُرمى بشئٍ لهُ حدٌّ فإذا ماتَ قبلَ أن يُتَمَكَّنَ من ذبحهِ حلَّ الصيدُ إنْ كانَ طائرًا أو كانَ من صيودِ البَرّ. أما حيواناتُ البحرِ فالله أحلَّ مَيتتها حتى كلبُ البحرِ حلالٌ أكلُهُ وخِنزيرُ البحرِ كذلكَ. ثم الذكاةُ شرطُها أن تكونَ بيدِ مُسلمٍ أو يهوديٍّ أو نَصراني، وأمّا من سوى أهلِ الكتابِ منَ الكفارِ فذبيحتُهُم ميتةٌ ولو ذبحوا كما يذبحُ المسلمون. وأهلُ الكتابِ إنما يَحِلُّ لنا أكلُ ذبائحِهم إذا ذبحوا ذبحًا شرعيًّا كما نذبحُ نحنُ أما إن خنقوا خنقًا فلا تَحِلُّ. وكذلك إن ذكروا اسم غير الله عند ذبحها لا تحِلّ أما إن قالوا بسم الله عند ذبحها حلّت وإن كانوا في الحقيقةِ هم لا يؤمنونَ بالله. والدليلُ على جوازِ أكلِ ذبائحهم قوله تعالى {وطعامُ الذينَ أوتوا الكِتابَ حِلٌّ لكُم} [سورة المائدة/5] أي ذبائحهم لأنّ سائرَ الأطعمةِ لا يختصُّ حِلُّها بأهلِ المِلَّةِ.

ثمَّ اللحمُ أمرُهُ مُشَدَّدٌ في شرعِ الله فلا يجوزُ أكلُهُ إلا أنْ يُعلَمَ أنهُ ذبيحةُ مُسلمٍ أو كتابيّ أمّا إنْ شُكَّ فيهِ فهوَ حرامٌ لا يجوزُ أكلُهُ لأنه يُعتَبرُ ميتةً كالبهيمةِ التي ماتت في المرض، أما غيرُ اللحمِ فلا يَحرُمُ بالشكّ، فالجُبنُ يجوزُ أن نُقْدِمَ على شِرائهِ وأكلهِ معَ الشكِّ هلْ دخلَ فيهِ إنْفَحَةُ الميتةِ أمْ لا لأنهُ من عادةِ الكُفارِ أن يُدخِلوا فيهِ إنفَحَةَ الخِنزير أو ميتةً أخرى. كذلكَ السمنُ يجوُ أكلهُ معَ الشكّ فيه هل دخلَهُ شئٌ من ذلك أم لا. كذلكَ الجلودُ إنْ شُكَّ فيها هل هيَ جلدُ مَيتةٍ أو جلد مُذَكَّاة أو هل هذا جلدُ خِنزيرٍ أو غيره فإنهُ لا يحرُمُ لُبسُهُ واستعمالهُ، أما اللحمُ فأمرُهُ مُشَدَّدٌ. فالإنفَحَةُ لا تَحرُمُ بالشكّ لأنها ليست لحمًا، ولا تتبعُ اللحمَ وإنما هيَ شئٌ أصفرُ يتجمَّعُ في مَعِدَةِ السَّخلَةِ وهيَ ولدُ الغنمِ منَ الضأنِ والمعزِ ساعةَ وضعهِ، فما كتِبَ عليه إفحة بقريّة لا يَحرمُ أكلُهُ بالشكّ إلا إذا تيقَّنَ أن ما وضِعَ فيه من الأنفحةِ من ميتة.

وما كُتِبَ عليهِ جيلاتين بقريّ لا يحرُمُ أكلهُ بالشكّ لأنّ هذا الجيلاتين ليسَ منَ اللحمِ وإنما هوَ منَ العظمِ.

ولا يجوزُ لِبسُ جلدِ الميتةِ كجلدِ الكلبِ والخِنزيرِ أو غيرهما ويجوزُ لُبسُ الجلدِ المُتنجِّس الذي يَطهُرُ بغسلِهِ إلا في عبادةٍ يُشتَرَطُ لها طهارةُ الثوبِ.

ولا يَحِلُّ الحيوانُ المَقدُورُ عليهِ ولو وحشيًّا إلا بالقطعِ المَحْضِ منْ مُسلمٍ أو كِتابيّ لجميعِ الحُلقوم والمَريءِ أي مجرى النفسِ ومجرى الطعام والشرابِ معَ استقرارِ الحياةِ في الابتداءِ بمُحَدَّدٍ أي بما يَقتُلُ بحَدِّهِ غيرَ العظمِ فلا يَحِلُّ ما ذُبِحَ بالسّنّ والظفرِ وغيرها من العظام. روى البخاري ومسلم من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما أنْهَرَ الدمَ وذُكرَ اسمُ الله عليه فكلْ ليس السنُّ والظفرُ أما السنُ فعظم وأما الظفر فمُدى الحبشة". ويحلُّ ما ذُبِحَ بحديدٍ وحجر ونحاس وذهبَ وزجاج وخشب وقصَب له حدّ. ويكره الذبحُ بسكين كالّ أي ضعيفِ الحدّ. روى البخاري من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه أن امرأةً ذبحت شاةً بحجر فسُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلكَ فأمرَ بأكلها. وعلامةُ استقرارِ الحياةِ أن تَشْتَدَّ حرَكتهُ بعدَ الذبحِ ويتدفقُ دمهُ. ولو صُعِقَ بالكهرباءِ فماتَ قبلَ ذبحهِ لم يَحِلَّ وكذلكَ لو صارت الآلة تقطع الحلقوم والمريء وحدها بواسطةِ تحريك الكهرباء لها مثلاً من غير أن يحركها [2] مسلم أو كتابي لم تَحِلَّ أيضًا. ولا يحلُّ ما قُطِعَ بالمقص.

وأمّا الدليلُ على حُرمةِ أكلِ اللحمِ المَشْكوكِ فيهِ هلْ هوَ مُذَكَّى ذكاةً شرعيَّةً أم لا فمأخوذٌ من حديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى البُخاري ومسلمٌ من حديثِ عُدَيّ بنِ حاتم رضي الله عنه قالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أرسَلْتَ كلبَكَ فاذكُرِ اسمَ الله عليهِ، فإنْ أمسكَ عليكَ فأدركْتَهُ حيًّا فاذْبَحْهُ وإنْ أدرَكتَهُ قدْ قَتَلَ ولم يأكُلْ منهُ فكُلهُ، وإنْ وجَدْتَ معَ كلبِكَ كلبًا غيرهُ وقد قتلَ فلا تأكُلْ، فإنَّكَ لا تدري أيُّهُما قتلهُ، وإن رميْتَ بِسَهمِكَ فاذكِر اسمَ الله تعالى فإنْ غابَ عنكَ يومًا فلم تَجِدْ فيهِ إلا أثرَ سهمِكَ فكُلْ إنْ شِئتَ وإن وجتهُ غريقًا في الماءِ فلا تأكل". فمِنْ أجلِ الشكّ في سببِ الحِلّ حرَّمَ رسول الله أكلهُ، فمِنْ هُنا حرَّمَ العُلماءُ أكلَ اللحمِ المَشْكوكِ في حِلِّهِ.

وأما حديثُ البُخاريّ عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ قومًا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنَّ أناسًا حديثي عهد بكفر يأتُوننا بلحمانِ لا ندري أذَكَروا اسمَ الله عليها أن لا فقال "سمُّوا الله أنتم وكُلوا". فالحديثُ وردَ في ذبيحةِ أناسٍ مُسلمينَ قريبي عهدٍ بكفر وذلكَ لقولِ عائشةَ حديثي عهدٍ بكفر. ومعنى الحديث أنّ هذه اللحومَ حلالٌ لأنها مُذَكَّاةٌ بأيدي مُسلمينَ ولو كانوا حديثي عهدٍ بكفرٍ أي قريبي عهد بإسلام، ولا يَضُرُّكُم أنَّكُم لم تعلموا هلْ سمَّى أولئكَ عندَ ذبحِها أمْ لا وسمُّوا أنتم عند أكلها أي ندبًا لا وجوبًا لأنَّ التسميةَ سُنَّةٌ عندَ الذبحِ فإنْ تركها الذابِحُ حَلَّ الأكلُ منَ الذبيحةِ.

فاللحمُ لا يجوزُ الشّروعُ في أكلهِ معَ الشكّ في ذكاتِهِ كما نصَّ على ذلك الفقهاءُ كابن حجرٍ الهيتمي والسيوطي منَ الشافعيةِ والقرافي وفي كتاب "التاجِ والإكليل" لمختصرِ خليل منَ المالكيةِ وغيرهم، بل تحريمُ اللحمِ الذي لم يُعلم طريقُ حلّه بأن شُكَّ في ذلكَ مُجْمَعٌ عليه. فلو ذبحَ شخصٌ مائةَ دجاجةٍ وكانت واحدةٌ منها لم تُذبَح ذبحًا شرعيًّا واختلطتْ هذه الواحدةُ بالبقيةِ ولم تُعرَف أيَّ واحدةٍ هيَ حرُمَ أكلُها كُلها. وما قُدِرَ على ذكاتهِ أي ذبحِهِ فذكاتهُ تكونُ في حلقِهِ وهو أعلى العُنقِ أو لبَّتهِ أي أسفلِ العنق والذبحُ يكونُ تحتَ الغلصَمة [3]. والذكاةُ بذالٍ مُعجمةٍ معناها لفةً التَّطيِيبُ لما فيها من تطييبِ أكلِ اللحمِ المذبوحِ. وإن أخبرنا كافرٌ أو فاسقٌ أنّ هذا اللحمَ ذُبحَ ذبحًا شرعيًّا بيد مسلم أو كتابيّ فصدّقناهُ حلَّ لنا أكلهُ وإلا لم نأكل.

وأما الحيوانُ الذي لم يُقدر على ذبحهِ كشاةٍ إنسيَّةٍ توحَّشَت أو بعيرٍ ذهبَ شاردًا فذكاتهُ عقْرُهُ عقرًا مُزهِقًا للروحِ حيثُ قُدِرَ عليهِ أي في أيّ موضعٍ كانَ العقرُ [4].

وكمالُ الذكاةِ أربعةُ أشياءَ أحدُها قطعُ الحُلقومِ وهو مجرى النفسِ دُخولاً وخروجًا. والثاني قطعُ المريءِ وهو مجرى الطعام والشرابِ منَ الحلقِ إلى المعدةِ، والمريءُ تحتَ الحُلقومِ، ويكونُ قطعُ ما ذُكِرَ دفعةً واحدةً لا في دفعتَينِ فإنهُ يَحرُمُ المذبوحُ حينئذٍ إن لم توجد الحياة المستقرة عند الدفعة الثانية بأنْ قَطَعَ جُزءًا منَ الحُلقومِ والمَريءِ ثمَّ رفعَ يدهُ وانتظرَ حتى زالتِ الحياةُ المستقرةُ فأعادَ السكينَ فأكملَ القطْعَ فإنه لا يحلّ المذبوح، بخلافِ ما إذا وجدت الحياة المستقرة عندَ الدفعةِ الثانية فيحل حينئذ. وأما لو أعادَ السكينَ فورًا بعد رفعها أو سقطت منه فأخذَ غيرها حالاً وقطعَ بها ما بقيَ حلّ المذبوحُ لأنّ هاتَينِ المرتين مع عدمِ طولِ الفصلِ كالمرةِ الواحدة. ومتى بقيَ شئٌ منَ الحُلقومِ والمريءِ لم يُقطَع لم يَحِلَّ المذبوحُ. والثالثُ والرابعُ قطعُ الوَدَجَينِ وهما عِرقانِ في صفحتَي العُنقِ مُحيطانِ بالحُلقوم والمُجزِئ منها أي الذي يكفي في الذكاةِ شيئانِ قطعُ الحُلقومِ والمريءِ فقط، ولا يُسَنُّ قطعُ ما وراءَ الودَجَين.

...............................

[1] جاهلية العرب كانوا يقولون والعزى وهي صنم خالد بن الوليد كسرها خرجت من الشجرة شيطانة سوداء ناشزة الشعر، الشياطين يحبون أن يسكنوا الأماكن التي يعبدها الناس، هذه العُزى شجرة كانت تقعد فيها هذه الجنية خالد رضي الله عنه قطع تلك الشجرة وقتل هذه الجنية قال خالد:
يا عُزى كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانكِ
جاهلية العرب كانوا يسمون عبد العُزى. ومعنى رأيت هنا أي علمت بأن الله قد أهانك.
[2] أما لو حركها من يحل ذبحه في كل مرة تقطع جاز أما إن حركها أول مرة فقط فالأول فقط يَحِلُّ وما بعده فميتة.
[3] الغلصمة رأس الحلقوم وهو الموضع الناتئ في الحلق والجمع غلاصم.
[4] عقره عقرًا من باب ضرب جَرَحَه.

يتبع....
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:40 PM   #110
مخضرم
 



أم عمر is on a distinguished road
إفتراضي

 

ويجوزُ أي يَحِلُّ الاصطيادُ أي أكلُ المُصادِ بكُلّ جارحةٍ مُعَلّمَةٍ منَ السباعِ كالفهدِ والكلبِ ومنْ جوارحِ الطيرِ كصقر وبازٍ في أي موضع كانَ جَرْحُ السباعِ والطيرِ وشرائِطُ تعليمها أي الجوارح أربعةٌ أحدها أن تكونَ الجارحةُ مُعلّمةً بحيثُ إذا أُرسِلت أي أرسَلها صاحبها استرسَلت، والثاني أنها إذا زُجِرت أي زَجرها صاحبُها انزَجَرت والثالثُ أنها إذا قتلت صيدًا لم تأكل منهُ شيئًا، والرابعُ أن يتكرَّرَ ذلكَ منها أي الشرائطُ الأربعة منَ الجارحةِ بحيثُ يُظَنُّ تأدُّبُها، ولا يُرجَعُ في التكرارِ لعددٍ بل المرجعُ فيهِ لأهلِ الخُبرةِ بطِباعِ الجوارحِ فإن عُدِمَت منها إحدى الشرائطُ لم يَحِلَّ ما أخذتهُ الجارحةُ إلا أنْ يُدرَكَ ما أخذتهُ الجارحةُ حيًّا فيُذَكَّى فيَحِلُّ عندئذٍ. وإذا أرسَلَ الكلبَ المعلَّمَ ونحوهُ من هو من أهلِ الذكاةِ فقتلَ الصيدَ بظفرهِ أو نابِهِ أو تركهُ ولم تبقَ فيهِ حياةٌ مستقرةٌ أو بقيت فيه حياةٌ مستقرةٌ إلا أنه لم يبقَ من الزمان ما يمكنُ ذبحُهُ فيه حتى ماتَ حلّ، وإن أرسلهُ مجوسيّ في قتل أو شاركَ المسلمَ في الإرسالِ أو شاركَ الجارحةَ جارحةٌ أرسلها مجوسيّ في قتلِ الصيدِ لم يحلّ، وإن قتلت الجارحةُ الصيدَ بثقلها ففيه قولان.

وتَحِلُّ ذكاةُ مسلمٍ مُمَيّز يُطيقُ الذبحَ وذكاةُ كلّ كِتابي يهودي أو نصرانيّ، ويُكرَهُ ذكاةُ المجنونِ والسكران، ولا تَحِلُّ ذبيحةُ مجوسيّ ولا وثنيّ ولا نحوهما مما لا كتابَ له. وذكاةُ الجنينِ حاصلةٌ بذكاةِ أمهِ فلا يُحتاجُ لتذكيتِهِ، هذا إن وُجِدَ مَيّتًا أو فيهِ حياةٌ غير مُستقرةٍ اللهُمَّ إلا أنْ يوجدَ حيًّا بحياةٍ مستقرةٍ بعدَ خروجِِهِ من بطنِ أمهِ فيُذكَّى حينئذ. روى أحمد وابنُ حبان وصححهُ من حديثِ أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمّه". وأمّا ما قُطِعَ من حيوانٍ حيّ فهو ميّتٌ إلا الشعرَ أي المقطوع منْ حيوانٍ مأكولٍ المُنتفعَ بهِ في المفارشِ والملابسِ وغيرها.

ويُستَحبُّ أن يوجّه الذبيحةَ إلى القِبلة ويسمّي الله تعالى ويُصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وأن يقطعَ الأوداجَ كلَّها وأن ينحرَ الإبلَ معقولةً من قيام ويذبح البقر والغنم مضطجعة، ولا يكسرَ عنقها ولا يسلخَ جِلدَها حتى تبرُد.

وكلّ حيوانٍ استطابَتْهُ العربُ الذينَ هم أهلُ ثروةٍ وخِصْب وطِباع سليمةٍ ورَفاهيةٍ فهوَ حلالٌ إلا ما وردَ الشرعُ بتحريمِهِ فلا يُرجعَ فيه لاستطابَتِهم لهُ وكلُّ حيوانٍ استخبثَتهُ العربُ أي عَدُّوهُ خبيثًا فهوَ حرامٌ إلا ما وردَ الشرعُ بإباحَتِهِ فلا يكونُ حرامًا ويحرمُ منَ السباعِ ما له نابٌ أي سنٌّ قويٌّ يعدو به على الحيوانِ كأسدٍ ونَمر ويُستثنى الضبعُ ولو كان ضبعَ الحبشةِ لورودِ الحديث بإباحتهِ.

ويحرمُ منَ الطيورِ ما لهُ مِخلَبٌ أي ظُفرٌ قويٌّ يجرحُ به كصقرٍ وبازٍ وشاهينَ ويَحِلُّ للمُضطرِّ وهوَ مَنْ خافَ على نفسهِ الهلاكَ منْ عدمِ الأكلِ في المَخمصةِ أي المجاعةِ مَوتًا أو مرضًا مخوفًا أو زيادةَ مرضٍ أو انقطاعَ رُفقةٍ ولم يجِدْ ما يأكلهُ حلالاً أن يأكلَ منَ الميتةِ المُحرمةِ عليهِ ما يَسُدُّ به رمقهُ أي بقيَ روحه.

ولنا مَيتتانِ حلالانِ وهما السمكُ والجرادُ ولنا دمانِ حلالانِ وهما الكبدُ والطحال.

وإن رمى سهمًا أو غيرهُ فقتلَ الصيدَ بثقلهِ لم يحلّ، وإن أكلت الجارحةُ منَ الصيدِ ففيهِ قولانِ وإن كانتِ الجارحةُ كلبًا غسلَ موضِعَ الظفرِ والنابِ منَ الصيدِ، وقيلَ يُعفى عنه، وإن رمى طيرًا فأصابهُ السهمُ فوقعَ في ماءِ أو على جبلٍ فتردَّى منهُ فماتَ لم يَحِلَّ إلا أن كانَ وقع السهم في لبتهِ فنحره أو في كبده فأبانَ حشوته ونحو ذلك، وإن أصابَ صيدًا فجرحَهُ جرحًا لم يقتلهُ ثم غابَ عنهُ فوجدهُ ميتًا حلَّ في أحدِ القولَين ولا يَحِلُّ في الآخَرِ وإن أرسلَ سهمًا أو كلبًا على صيدٍ فقتلَ غيره حلَّ وإن أُرسِلَ على غير صيدٍ فقتلَ صيدًا لم يحلّ، وقيلَ يحلُّ في السهمِ دونَ الكلب، وإن رمى شيئًا يحسبهُ حجرًا فكان صيدًا فقتلهُ حلَّ أكلهُ، وإن أرسل عليه كلبًا فقد قيلَ يحلّ وقيل لا يحلّ، وإن نصبَ سكينًا فوقعَ به صيدٌ فجرحهُ فماتَ لم يحلّ، ومَنْ أخذَ صيدًا أو أزالَ امتِناعهُ ملكَهُ، ومَنْ ملكَ صيدًا ثم أرسلهُ لم يزل مِلكهُ عنهُ في أصحّ الوَجْهَين.

ويُؤكَلُ منْ دوابّ الإنسِ الإبلُ والبقرُ والغنمُ والخيلُ ولا يُؤكَلُ الكلبُ والخنزيرُ والبغلُ والحمارُ والسنور [1]، ويؤكلُ من دوابّ الوحشِ البقر والحمار والظبيُ والأرنب والوعلُ. وأما الضبعُ والثعلبُ واليُربوعُ والقنفذُ والوبرُ [2] وابن عرسٍ وهو يُشبهُ الفأر والضَّبُّ وسنورُ البرّ فقد اختلف الأئمةُ في حِلّ أكلها. ولا يُؤكَلُ ما استخبثهُ العربُ منَ الحشراتِ كالحيةِ والعقربِ والوزَغِ والخنفساءِ والزُّنبورِ والذبابِ وبنتِ وردانَ وحمار قبَّان وما أشبهها، وكذلك لا يؤكلُ ما يتقوّى بنابهِ كالأسدِ والفهدِ والنمرِ والذئبِ والدبّ والفيلِ والقردِ والتمساحِ والزرافةِ وابن ءاوى وفي ابنِ ءاوى والزرافةِ قولانِ ولا تحِلُّ الحيّاتُ والعقاربُ والفأرُ والخنافسُ وما أشبهها من حشراتِ الأرضِ لأنها من الخبائثِ. ويؤكلُ منَ الطيرِ النعامةُ والدجاجُ والبطُّ والإوزُ والحمامُ والقَطا والكُركيّ والعصفور وما أشبهها، ولا يؤكل ما يَصطادُ بالمخلبِ كالنسرِ والصقرِ والشاهين والباز والحدأةِ والعُقابِ والباشق. ولا ما يأكل الجيفَ كالغرابِ الأبقعِ والغرابِ الأسودِ الكبير، وأما غرابُ الزرعِ والغُدافِ وهو صغير الجسمِ لونُهُ كلونِ الرمادِ فقد قيلَ إنهما يؤكلانِ وقيلَ لا يؤكلانِ وتحرُمُ الذبابُ والنحلُ والزنبور وما أشبهها لأنها مستخبثة. وما تولَّدَ منْ مأكولٍ وغيرِ مأكولٍ لا يحلُّ أكلهُ كالسبعِ وغيره سواءٌ كان الذَّكَرُ مما يَحِلُّ أو الأنثى تغليبًا للتحريم. ولو اشتبهَ ولدُ حيوان هل هو متولدٌ من ذكر يحِلُّ أم لا يحلّ قال ابنُ الصباغ فالاختيارُ أن لا يؤكل فإن أرادَ أكله نظر إلى خلقتهِ فإن كان الذي يحلّ أكلُهُ أولى بخلقتهِ حلّ وإن كان الذي لا يحِلّ أكلهُ أولى بخلقتهِ لم يحلّ. وتُكرَهُ الشاةُ الجلاّلةُ وهي البهيمةُ التي أكثر علفها العذِرة وإن أطعمَ الجلاّلةَ فطابَ لحمُها لم يُكره ويؤكل من صيدِ البحر السمك ولا يؤكل الضفدعُ والسرطان وما سواهما فقد قيل إنه يؤكل وقيلَ لا يؤكل، وقيلَ ما أُكِلَ شِبههُ منَ البَرّ أُكِلَ وما لا يُؤكل شِبههُ لم يؤكل والمنصوص أنه يحِلّ الجمبع لأن الشافعي سئل عن كلب الماء وخنزيره فقال يحل أكلهُ. وكلُّ طاهرٍ لا ضررَ في أكلِهِ يَحِلُّ أكله إلا جلدَ ما يؤكلُ إذا ماتَ ودُبِغَ فإنهُ لا يجوزُ أكلهُ في أحدِ القولينِ ويجوزُ في الآخر، وما ضَرَّ أكلهُ كالسمّ وغيره لا يحلُّ أكلهُ ولا يحلُّ أكلُ شئٍ نجسٍ فإن اضطرَّ إلى المَيتةِ أكلَ منها ما يسدُّ به الرَّمقَ في أحدِ القولينِ وقدرَ الشبع في الآخر وإن وجدَ المُضطرُّ ميتةً وطعامَ الغيرِ أكلَ طعامَ الغيرِ وضَمِنَ بدلهُ، وقيلَ يأكلُ الميتة ولا يأكل المضطر من الميتةِ إلا قدرَ ما ينقذ به نفسه من الهلاكِ لقوله تعالى: {فمنِ اضطرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فإنَّ ربَّكَ غفورٌ رحيمٌ} [سورة الأنعام/145] وقوله: {فمنِ اضطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غيرَ مُتجانِفٍ لإثمٍ فإنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ} [سورة المائدة/3] أي فمن دعته الضرورةُ إلى أكلِ شئٍ من هذه المحرمات غير مُتجاوز قدرَ حاجتهِ من تناولهِ لا يؤاخذهُ الله، فإنْ وجدَ صيدًا وميتةً وهوَ مُحْرِمٌ ففيهِ قولانِ أحدهما يأكلُ الميتةَ والثاني يأكل الصيدَ، وإن ارتضعَ جديٌ من كلبةٍ أو خنزيرٍ حتى نبتَ لحمه ففي إباحةِ لحمه وجهانِ حكاهما الشافعي.

ولما لم يرد فيه تحليلٌ ولا تحريمٌ يُنظَرُ فيه فإن كانَ مما تستطيبهُ العربُ فهو حلالٌ وإن كان مما تستخبثهُ العربُ فهو حرامٌ وإن استطابهُ قومٌ واستخبثهُ ءاخرونَ رُجِعَ إلى ما عليه الاكثر.

قال الطبريُّ وإنما يُرجَعُ فيه إلى العرب الذينَ كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلِ الريفِ والسَّعةِ دونَ الأجلافِ وأهلِ الضرورةِ والجِلفُ هو الغليظ الجافي.

وإن اتفقَ في بلاد العجم ما لا يعرفهُ العربُ رُجِعَ فيه إلى شِبهه مما يحلُّ ومما لا يحلُّ فيُحكَمُ فيه بما يحكم بشبهه.

.................................

[1] السنور: الهرّ.
[2] الوبر: دويبة نحو السنور غبراء اللون كحلاء لا ذنب لها.

يتبع.......
أم عمر غير متصل   الرد مع إقتباس
 
 
قديم 20-08-2007, 09:42 PM   #111
مخضرم