فائدة. لو أخذَ الشخصُ منْ غيرهِ بطريقٍ جائزٍ ما ظنَّ حِلَّهُ وهو حرامٌ باطنًا فإنْ كانَ ظاهرُ المأخوذِ منهُ الخيرَ لم يُطالَبْ في الآخرةِ قال صاحبُ فتحِ المعين ولو اشترى طعامًا بثمنٍ في الذمةِ وقضى مِنْ حرام فإنْ أقبَضهُ له البائعُ برضاهُ قبلَ تَوفيةِ الثمنِ حلَّ له أكلهُ أو بعدها مع علمِهِ أنهُ حرامٌ حلَّ أيضًا وإلا حَرُمَ إلى أن يُبرئهُ أو يوفّيَه من حِلّ، قالهُ شيخنا اهـ ويعني بقولِ شيخنا ابن حجر أي الهيتميَّ من متأخري الشافعية. ومعنى ذلك أنه إن أبرَأهُ فقال له لا أريدُ منكَ أن توفّيني الثمنَ مِن حلالٍ بَرِئَ وإلا لا بدَّ أن يعطيَهُ من مالٍ حلال.
وفي الدُرِّ المُختارِ من كُتبِ الحنفيةِ [1] "اكتَسَبَ حرامًا واشترى به أو بالدراهمِ المَغصوبةِ شيئًا قال الكَرخيُّ إنْ نقَدَ قبلَ البيعِ تصدَّقَ بالربحِ وإلا لا، وهذا قياسٌ وقال أبو بكرٍ كلاهُما سواءٌ ولا يَطيبُ له وكذا لو اشترى ولم يَقُلْ بهذه الدراهمِ وأعطى منَ الدراهم، [ولو] دفعَ مالهُ مُضاربةً لرجلٍ جاهلٍ جازَ أخذُ ربحِهِ ما لمْ يُعلَمْ أنهُ اكتسبَ الحرامَ" اهـ.
وفي ردّ المحتارِ ما نصه [2] "توضيح المسألةِ ما في [التتارخانيّة] حيث قال رجلٌ اكتسبَ مالاً من حرام ثم اشترى فهذا على خمسةِ أوجهٍ:
[1] إما أنهُ دفعَ تلكَ الدراهمَ إلى البائعِ أولاً ثم اشترى منه بها.
[2] أو اشترى قبلَ الدفعِ بها ودفعها.
[3] أو اشترى قبلَ الدفعِ بها ودفعَ غيرها.
[4] أو اشترى مُطلقًا ودفعَ تلكَ الدراهم.
[5] أو اشترى بدراهمَ أُخَرَ ودفعَ تلكَ الدراهم.
قال أبو نَصْرٍ يطيبُ له ولا يجبُ عليه أن يتصدَّقَ إلا في الوجهِ الأولِ وإليهِ ذهبَ الفقيهُ أبو الليث، لكن هذا خلافُ ظاهرِ الروايةِ فإنهُ نصَّ في الجامعِ الصغير: إذا غصَبَ ألفًا فاشترى بها جاريةً وباعَها بألفَين تصدَّقَ بالربحِ، وقال الكرخيُّ في الوجهِ الأولِ والثاني لا يطيبُ وفي الثلاثِ الأخيرةِ يَطيبُ، وقال أبو بكرٍ لا يطيبُ في الكلّ لكنَّ الفتوى الآن على قولِ الكرخيّ دفعًا للحَرَجِ عنِ الناس. انتهى. وفي الوَلْوالِجيّةِ وقال بعضهم لا يطيبُ في الوجوهِ كلّها وهو المختار، لكن الفتوى اليومَ على قولِ الكرخيّ دفعًا للحرَجِ لكثرةِ الحرام. انتهى. وعلى هذا مشى المصَنِفُ في كتابِ الغَصْبِ تبعًا للدررِ وغيرها اهـ.
واعلم بأنَّ مسألةَ الفرقِ بين ما إذا دفعَ الشخصُ المالَ إلى البائعِ فدفَعَ إليهِ البائعُ المَبيعَ وبينَ ما إذا اشترى الشئَ بثمنٍ غيرِ مُعَيَّنٍ بل قال اشتريتُ منكَ هذا الشئَ بكذا ثم أقبضَهُ البائعُ إيّاهُ ثم دفعَ له الثمنَ الذي كانَ في ذمتهِ لها أصلٌ أصيلٌ واعتبارٌ عندَ المُجتهدينَ وذكرها الإمامُ المجتهد أبو بكر بن المنذر فلا عِبرةَ بِتَوَهُّم متوهِّم جاهل بالفقهِ يَظنُّ بنفسهِ أنه من أهلِ الفَهمِ والمعرفةِ بالفقهِ فيُنكرُ هذا الفرقَ ويعتبرُ المسألتَينِ في حُكم واحدٍ، وهذا بعيدٌ من الفقهِ ولولا بُعدهِ البعيدُ لم يَتوهم ذلك، وفي هذا فُسحةٌ كبيرةٌ ولا سيّما في هذا العصرِ الذي كثُرَ فيهِ المالُ الحرام، لأنّ خلقًا كثيرًا يَجمعونَ مالاً حرامًا ثم يشترونَ أراضيَ أو أبنيةً أو غيرَ ذلكَ ويكونُ المالُ الذي يَجعلونهُ ثمنًا مِن هذا الحرام فإذا قيلَ لهم هذه الأرضُ وهذا البناءُ وغيرَ ذلكَ مما اشترَيتُموه رُدُّوهُ إلى أصحابهِ واسترِدُّوا المالَ الذي دفعتموهُ منهُم ثم ردُّوهُ إلى مَنْ أخذتُمْ منه ذلكَ المالَ الحرامَ لِعدمِ صحةِ شرائِكُم يَستَصعِبونَ ذلكَ غايةَ الاستِصعاب، ولكنهم إذا دُلُّوا على هذا الفرقِ يَهُون عليهم الأمرُ، لأنهم في الغالبِ يشترونَ الأشياءَ من غيرِ تعيينِ الثمنِ ثم يُوَفُّونَ مما بأيديهم، وجزى الله الفقهاءَ الذينَ وضعوا للناسِ أمثالَ هذا المَخرجِ خيرًا.
ثمَّ السبيلُ إلى النجاةِ في الآخرةِ مِنْ مُطالبةِ أصحابِ الأموالِ بحقوقهم حيثُ إنهم لم يقبضوا الأثمانَ منْ مالٍ حلال أن يُوَفِّيَ هؤلاء المُشترونَ الأثمانَ من مالٍ حلالٍ يستفيدونَهُ بعدَ ذلكَ ببيعِ هذه الأغراضِ التي اشتروها أو ما يجتمعُ عندهم من غلاتِها بالإيجارِ ونحوهِ، أو يُستَسمَحونَ فيقولونَ لمن اشتروا منهم المالُ الذي دفعناه إليكم كان من مالٍ حرامٍ فسامِحونا فإذا سامَحُوهم نفعهم ذلك في الآخرةِ.
ومن معاصي البطنِ شرب الخمرِ وهو من الكبائرِ وهي كما قال عمر "ما خامرَ العقلَ" أي غيَّرهُ رواه عنهُ البخاري [3] في الصحيح في كتاب الأشربة. وقد اعتيدَ في بعض البلادِ تسميةُ بعض الأشربةِ التي هي مُسكرةٌ باسمٍ خاصّ فاستحلوا شُربها كما يحصلُ ذلك في بعضِ بلادِ الحبشةِ، عندهم شاربٌ يتّخذونهُ من بعضِ الحبوبِ يُسَمُّونهُ في بعضِ النواحي قُراري وفي بعضِ النواحي شَلَلي ولا فرقَ في الحقيقةِ بينَ هذا والخمرِ الآخرِ الذي يَعتبرونهُ حرامًا ويتجَنَّبونهُ إلا أنَّ هذا أخفُّ من ذاك، فكيفَ خفيَ عليهم الحكمُ الشرعيُّ، وما ذاكَ إلا لِغَلبةِ الهوى فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما أسكرَ الفرقُ منه فمِلءُ الكفّ منهُ حرام" رواه أبو داود [4]. والفرقُ مِكيالٌ يقال إنه يسعُ ستةَ عشرَ رِطلاً.
وأما حدُّ الخمرِ فهو في الأصلِ بالنسبةِ لشاربها الحرّ أربعونَ جَلدة وللرقيقِ عشرون، ثم إذا اقتضتِ المصلخةُ الزيادةَ على ذلك جازَ إلى الثمانينَ لفعلِ عمر. قال سيدنا علي رضي الله عنه "جلَدَ رسول الله [أي في الخمر] أربعينَ وجلدَ أبو بكر أربعينَ وجلدَ عمر ثمانين وكلٌّ سنةٌ وهذا أحبُّ إليَّ" أي الأربعونَ رواه مسلم [5].
..................................
[1] الدر المختار [4/219].
[2] انظر الكتاب [4/219].
[3] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأشربة: باب الخمر من العنب وغيره.
[4] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأشربة: باب النهي عن المسكر.
[5] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحدود: باب حد الخمر. يتبع.... |