 | إحكام أحكام التيمم |
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للهِ ربِّ العالمينَ لهُ النِّعمةُ وله الفضلُ ولهُ الثَّناءُ الحسن صلواتُ اللهِ البَرِّ الرحيمِ والملائِكةِ المُقرَّبينَ على سيِّدِنَا مُحَمَّد ٍ أشرفِ المرسلينَ وحبيبِ ربِّ العالمينَ وعلى جميعِ إخوانِهِ منَ النَّبييّنَ والمُرسلينَ وءالِ كُلٍّ والصَّالحينَ وسلامُ اللهِ عليهِمْ أجمعينَ أمّا بعدُ:ـ
كتاب التـيمـم
التيمُّمُ لغةً القصدُ قال أبو منصور الأزهري: التيمم في كلام العرب القصد يقال تَيَمَّمْتُ فلانا ويَمَّمْتُه وتأمَّمْتُه وأَمَّمْتُه أي قصَدْتُه.اهـ ومنه قوله تعالى:{ولا تيمَّموا الخبيثَ منه تُنفقون} وشرعًا طهارةٌ تُرابيَّةٌ تشتملُ على مسحِ الوجهِ واليدينِ ليُستباحَ بها ما منعَه الحدثُ قبلَ فِعلِها عند العجز عن الماءِ استباحةِ الصلاةِ، والأكثرونَ على أنه فُرِضَ سنة ست من الهجرة، وهو خصيصةٌ خصَّ الله سبحانه وتعالى به هذه الأمة زادها الله شرفًا لم يُشاركها فيها غيرها من الأمم كما صرَّحت به الأحاديث الصحيحة المشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حديث: أُعطيتُ خَمساً لم يُعطَهُنَّ أحد قبلي نُصِرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهرٍ وجُعِلَت ليَ الأرضُ مسجدا وطَهورا فأيُّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاةُ فليصلِّ وأُحِلَّت لي المغانمُ ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي وأُعطيتُ الشفاعةَ وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه خاصةً وبُعثتُ إلى الناس عامة. رواه البخاري .
والتيممُ رخصةٌ وقيل عزيمة وفصَّل بعضهم فقال هو لعدم الماء عزيمة وللعذر رخصة وأجمعوا على أنه مختص بالوجه واليدين وسواء كان عن حدثٍ أصغر أو أكبر وسواء تيمَّم عن الأعضاء كلها أو بعضها.
والتيمم ثابتٌ بالكتاب والسنة والإجماع والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى:{وإن كنتم مَرضى أو على سفر} إلى قوله:{فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيّبا} أي تُرابا طاهرا وهو الأظهرُ والأشهر وقيل حلالا، وخبرُ مسلم: جُعلت لنا الأرضُ كلُّها مسجدا وجُعلت تُربَتُها لنا طَهورا إذا لم نجدِ الماءَ . وغيرُه من الأخبار الآتي بعضُها .
ويجب التيمم عن الأحداثِ كلِّها أصغرِها وأكبرِها جنابةً وحيضًا ونفاسًا وولادةً بخلاف النجاسات إذا عجز عن استعمالِ الماء إما لفقده حسًا أو معنىً أو خوفِ ضررٍ يحصلُ منه قال تعالى:{وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى} إلى قوله:{فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} ولحديثِ الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثم رأى رجلا مُعتَزِلاً لم يُصلِّ مع القومِ فقال: يا فلانُ ما منَعَكَ أن تُصلي معَ القومِ؟ فقال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليكَ بالصعيد فإنه يكفيك وفيهما أيضا عن عمار بن ياسرٍ قال: أجنبتُ فلم أجد الماءَ فتمعكْت في الترابِ فأخبرتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: إنما يكفيكَ أن تقولَ بيديكَ هكذا، ثم ضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً ثم نفضهما ثم مسح الشمالَ على اليمين وظاهرُ كفيه ووجهه. قال النووي في المجموع: ومعنى تمعكتُ تدلكتُ وفي رواية في الصحيح تمرَّغتُ وهو بمعنى تدلكتُ.اهـ فإذا تيمم الجنبُ والتي انقطع حيضها ونفاسها ثم قدر على استعمال الماء لزمه الغسل
وثبتَ التيمُّمُ بالنصِّ في الحدثِ الأصغر والجنابةِ فقِيسَ عليها ما ذُكِرَ لأنه في معناها، ويُسنُّ التيمم عن الأغسال المسنونة في الأصح وقيل: لا لأن المقصودَ منها التنظيفُ وهو مُنتفٍ فيه.
فيتيمَّمُ الـمُحدِثُ والجنُبُ بالإجماع لأسبابٍ جمعُ سببٍ وهو ما يُتوصل به إلى غيره يعني لواحدٍ منها والمبيحُ للتيمُّمِ في الحقيقة شىءٌ واحدٌ وهو العجزُ عن استعمالِ الماءِ وأسبابُ العجزِ سبعةٌ وقد نظمها بعضُهم بقوله:
يا سائِلي أسبابَ حِلِّ تيمُّمِ هي سبعةٌ لسماعها ترتاحُ
فقدٌ وخوفٌ حاجةٌ إضلالُه مَرضٌ يشُقُّ جبيرةٌ وجراحُ
الأولُ من هذه الأسبابِ وهو فَقْدُ الماءِ للآية السابقةِ والفَقْدُ الشرعيُّ كالحِسِّي بدليلِ ما لو مرَّ مُسافرٌ على ماءٍ مُسبَّلٍ على الطريقِ فيتيَمَّمُ ولا يجوزُ له الوضوءُ منه ولا إعادةَ عليه لِقَصْرِ الواقِفِ له على الشُربِ نقله صاحبُ البحر عن الأصحاب وأما الصهاريجُ المُسبَّلةُ للشُربِ فلا يتوضأ منها أو للإنتفاع فيجوز الوضوءُ وغيرُه.
فإن تيَقَّنَ المسافرُ أو المقيمُ فَقْدَه بتلكَ الأرض أو في البلد تيمّم بِلا طَلَبٍ إذْ طلَبُ ما يُعْلَمُ عدَمه عبثٌ، وإلا فإن توهمه أي وقع في وهمه أي ذهنه أي جوَّزَ ذلك يعني تجويزا راجحًا وهو الظنُّ أو مرجوحًا وهو الوَهْمُ أو مستويًا وهو الشكُ فليس المرادُ بالوهمِ هنا الثاني بل هو صحيح وجبَ عليه طلبُه لكلّ تيمُّم بعد دخولِ وقتِ الصلاةِ وجوبًا مما توهمه فيه لقولِه تعالى:{فلم تجدوا ماء فتيمَّموا} ولا يُقال لم يجد إلا بعدَ الطلبِ ولأن التيمُّمَ طهارةُ ضرورةٍ ولا ضرورةَ مع إمكانِها بالماءِ، ولا بُدَّ من وقوعِ الطلبِ في الوقتِ لانتفاء الضرورة قبلَه ولو فعل لا يصحُّ قال السيوطي وفي وجه يصح. قال ابن عقيل الحنبلي فيما نقله ابن قدامة: فإن طلب الماء قبل الوقت فعليه إعادةُ الطلبِ بعدَه لأنه طلَبٌ قبلَ المُخاطبةِ بالتيمم فلم يسقط فرضه كالشفيع إذا طلبَ الشُفعَةَ قبل البيع.اهـ وله طلبُه بوكيله الموثوقِ به بخلافِ القِبلَةِ لِكونِها مُجْتَهَدًا فيها حتى لو أرسلَ جماعةٌ واحدًا ثقةً يطلبُ لهم كفاهُم، ولو أذِن قبل الوقتِ ليطلبَ له بعد الوقتِ كفى كما أشْعَرَ بذلك كلام الرافعي بجواز تقديمِ الإذْنِ في الطلبِ عليه، ولو طلبَ له غيرُه بغير إذنه لم يُجْزِه بلا خلافٍ حكاه النووي، وعُلمَ مما تقرَّرَ أنه لو تيمَّمَ أو طلبَ قبل الوقتِ لم يصِح، وروي عن أحمد أنه لا يُشترطُ الطلبُ إلا أنَّ المشهورَ عنه اشتراطُ طلبِ الماءِ لصِحةِ التيممِ وبه قال مالك وداود وقال أبو حنيفة: إنْ ظنَّ بقربه ماء لزمه طلبه وإلا فلا لقولِه عليه السلام: الترابُ كافيكَ ما لم تجد الماءَ. ولأنه غير عالم بوجود الماء قريبا منه فأشبه ما لو طلبَ فلم يجد. وقال السرخسي في المبسوط ما نصه: قال: [وإن كان مع رفيق له ماء فطلبَ منه فلم يُعطه فتيمم وصلى أجزأه] لأنه عادم للماء حين منعه صاحب الماءِ وهو شرط التيمم، وإن لم يطلب منه حتى تيمم وصلى لم يُجزه لأن الماء مبذول في الناس عادة خصوصا للطهارة فلا يصير عادما للماء إلا بمنع صاحبه فلا يظهر ذلك إلا بطلبه فإذا لم يطلب لا يُجزئه، فأما إذا لم يكن مع أحد من الرفقة ماء وتيمم وصلى جازت صلاته وإن لم يطلب الماء عندنا وقال الشافعي رضي الله عنه لا بد من طلب الماء أولا.اهـ وَدليلُ الطلبِ قَوْله تَعَالَى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وَلا يَثْبُتُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ إلا بَعْدَ الطَّلَبِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مَاءٌ لَا يَعْلَمُهُ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ فِي الظِّهَارِ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ ، قَالَ:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} لَمْ يُبِحْ لَهُ الصِّيَامَ حَتَّى يَطْلُبَ الرَّقَبَةَ، وَلَمْ يُعَدَّ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ وَاجِدٍ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ مُخْتَصٌّ بِهَا ، فَلَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهِ عِنْدَ الْإِعْوَازِ كَالْقِبْلَةِ وكيفية الطلب أن يطلبَه مِنْ رَحلِه بأن يُفتّش فيه إنْ لم يتحقق العدَم فيه، ورُفقَتِه وسُموا بذلك لارتفاق بعضهم ببعض وهم الجماعة ينـزلون جملة ويرحلون جملة والمراد بهم المنسوبون إليه ويستوعبهم إذا كثروا فلا يجبُ أن يطلبَ من كل واحد بعينه بل يكفيه أن يُنادي نداء عاما فيهم بنفسه أو مأذونه بأَنْ يقول مَنْ مَعَهُ ماءٌ يَبيعُه أو يَجودُ بِهِ أو من يدلني على الماء إلا أن يضيق الوقتُ عن الصلاة فلا يبقى إلا ما يسع تلك الصلاة قال النووي: هذا هو المذهبُ الصحيح المشهور وبه قطع البغَوي وغيره وفي وجه إلى أن يبقى من الوقت ما يسع ركعة حكاه صاحبا التتمة والبحر وهذا الوجه ضعيف.اهـ
فإنْ لَمْ يَجِدْهُ فِي ذَلِكَ نظرَ حواليه يمينا وشمالا وأماما وخلفا وهو في مكانه إن كان بمستوٍ من الأرضِ وكان الذي حواليه لا يستتر عنه، ويتأملُ مَوضِع الخُضرَةِ والطيرِ بأن يَخُصَّه بمزيد احتياطٍ، فإن احتاج إلى ترَدُّدٍ بأن لم يكن بِِمُستَوٍ كأن كان بأرضٍ فيها وَهْدَةٌ أَوْ جَبَلٌ تردَّدَ قَدْرَ نَظَرِه أي قَدْرَ ما ينظرُ إليه في المستوى والمراد نظر المعتدل وقدْرُ النَّظرِ هو الـمُعبَّرُ عنه بِغَلْوةِ سَهمٍ وَهُوَ كَمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ أي غاية رميه أو بحدِّ الغوث كما ضبطه الإمام وهو الموضعُ الذي لو استغاثَ برفقتِه لأغاثوه مع ما هم عليه من تشاغلِهم بأحوالهم وتفاوضهم في أقوالِهم إنْ أمِنَ على نفسه ومالِه الذي معه أو الـمُخَلَّف في رحله وكذا إن أمِنَ عضوًا ولم يضق الوقتُ عن تلك الصلاة فإن لم يأمن ما ذُكِرَ أو ضاق وقت الصلاة بأن لم يبق منه إلا ما يسعها لم يجب التردد للضرر، فَإِنْ لَمْ يَجِد الْماء بعدَ تردُّدِهِ قَدْرَ حدِّ الغَوثَ تيمّم لظنِّ فَقْدِه.
فلو طلبَ كما مرَّ وتيمَّمَ ومكثَ بضم الكافِ وفتحها ولم يتيقن عدَمه بالطلب الأول ولم يحدث ما يحتملُ معه وجود ماء من انتقال إلى مكان ءاخر أو طلوعٍ رَكبٍ ونحوهما فالأصحُ وجوبُ الطلبِ ثانيا لِما يطرأُ وسواء كان طريانه للحدث أم للجمع بين الصلاتين أم قضاء صلوات متوالية أم غير متوالية ونحو ذلك لاحتمال اطلاعه على بئر خفيت عليه أو وجود من يدله على الماء، وهذا أصح الوجهين عند الخرسانيين وإمام الحرمين وبه قطع البغوي وهو مقتضى إطلاق العراقيين بل صرح به جماعة منهم كالشيخ أبي حامد والماوردي فعلى هذا قال إمام الحرمين والبغوي يكونُ طلبُه الـمُجَدَّدُ أخفُّ من طلبه الأوَّلِ. قال النووي في المجموع: قال الشيخ أبو حامد وإذا طلبَ ثانيا وصلى ثم حضرت صلاة أخرى وجب الطلبُ لها ثالثا وهكذا كلما حضرت صلاة قال: ولو كان عليه فوائت تيمم للأولى ولا يجوز التيمم للثانية إلا بعد طلبٍ ثانٍ وكذا يجبُ أن يطلبَ للثالثةِ وما بعدها.اهـ قال الإمام الأذرعي تعليقا على كلام أبي حامد: وينبغي أن يُحمل هذا الكلام إلى ءاخره على أنه في كل مرة لا يحصل له يقين العدمِ بل غلبة الظن فعلى هذا لا إشكال فيه.اهـ قال الرافعي: وأن لا يكون العدَمُ مُستيقنًا بمقتضى الطلب الأولِ وإلا فإذا استيقنَ العدَمَ ولم يَحدُث ما يوهمُ حصول الماءِ كان اليقينُ الأول مستمِرا ولا معنى للطلبِ مع يقين العدَمِ.اهـ ويُقابلُ الأصح أنه لا يجبُ لأنه لو كان هناك ماء لظفِرَ به بالطلبِ الأول فإن جرى أمرٌ يُحتملُ بِسبَبه وُجودُ الماءِ كأن انتقلَ من مكانِه إلى مكانٍ ءاخرَ أو طلَعَ رَكبٌ أو سَحابَةٌ أعادَ الطلَبَ أيضًا لكن لا يكونُ الثاني أخفُ من الأولِ.
كتبه العبد الفقير انور سليمان
يتبع
آخر تعديل بواسطة سنبلة ، 15-04-2007 الساعة 02:28 PM.
آخر تعديل بواسطة سنبلة ، 15-04-2007 الساعة 02:28 PM.
|