قال المؤلف رحمه الله: ويجبُ اعتقاد أنّ كل نبي من أنبياء الله يجب أن يكون متصفًا بالصدق والأمانة والفطانة، فيستحيل عليهم الكذب والخيانة والرذالة والسفاهة والبلادة، وتجب لهم العصمة من الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها. الشرح: الانبياء يجب لكل منهم أن يكون بهذه الأخلاق وهي:
* الصدق: فيستحيل عليهم الكذب لأن ذلك نقصٌ ينافي منصب النبوة، وأما قول إبراهيم عليه السلام عن زوجته سارة "إنها أختي" وهي ليست أخته في النسب فكان لأنها أخته في الدين بغرض صيانتها من أذى الجبار فهو ليس كذبًا من حيث الباطن والحقيقة إنما هو صدق.
وكذلك ورد في أمر إبراهيم في القرءان الكريم أنه قال: {بل فعلهُ كبيرهم هذا فاسألوهُم إن كانوا ينطقون} [سورة الأنبياء] فليس هذا كذبًا حقيقيًا بل هذا صدق من حيث الباطن والحقيقة لأنّ كبير الاصنام هو الذي حمله على الفتك بهم أي الاصنام الأخرى من شدة اغتياظه منه لمبالغتهم في تعظيمه بتجميل هيأته وصورته، فحمله ذلك على أن يكسّر الصغار ويهينَ الكبير، فيكون إسناد الفعل إلى الكبير إسنادًا مجازيًا، فلا كذب في ذلك أي هو في الحقيقة ليس كذبًا إنما صورته صورة كذب، وأما حديث: "كذبَ إبراهيم ثلاث كذبات" فقد اعترض عليه بعض العلماء وأوله بعضهم على نحو ما ذكرنا.
* والأمانة فيستحيل عليهم الخيانة فلا يكذبون على الناس إن طلبوا منهم النصيحة ولا يأكلون أموال الناس بالباطل.
* والفطانة فكل الانبياء أذكياء يستحيل عليهم الغباوة أي أن يكونوا ضعفاء الأفهام، لأن الغباوة تنافي منصبهم لأنهم لو كانوا أغبياء لنفر منهم الناس لغباوتهم والله حكيم لا يجعل النبوة والرسالة في الاغبياء، فإنهم أرسلوا ليبلغوا الناس مصالح ءاخرتهم ودنياهم، والبلادة تنافي هذا المطلوب منهم.
* ويستحيل على الأنبياء الرذالة والسفاهة والبلادة فليس في الأنبياء من هو رذيل يختلس النظر إلى النساء الاجنبيات بشهوة مثلاً، وليس فيهم من يسرق ولو حبة عنب، وليس في الأنبياء من هو سفيه يقول ألفاظًا شنيعة تستقبحها النفس، وليس في الأنبياء من هو بليد الذهن عاجز عن إقامة الحجة على من يعارضه بالبيان ولا ضعيف الفهم لا يفهم الكلام من المرة الأولى إلا بعد أن يكرر عليه عدة مرات.
ويستحيل على الانبياء سبق اللسان في الشرعيات والعاديات لأنه لو جاز عليهم لارتفعت الثقة في صحة ما يقولونه، ولقال قائل لما يبلغه كلام عن النبي ما يدرينا أن يكون ما قاله على وجه سبق اللسان، لذلك لا يصدر من نبي كلام غير الذي يريد قوله ولا يصدر منه كلام لم يرد قوله بالمرة كما يحصل لمن يتكلم وهو نائم. وكذلك يستحيل عليهم الامراض المنفرة كخروج الدود من الجسم والبرص والجذام.
وكذلك يستحيل على الأنبياء الجبن، أما الخوف الطبيعي فلا يستحيل عليهم بل الخوف الطبيعي موجود فيهم وذلك مثل النفور من الحية فإن طبيعة الإنسان تقتضي الهرب من الحية وما أشبه ذلك مثل التخوف من تكالب الكفار عليهم حتى يقتلوهم. ولا يقال النبي صلى الله عليه وسلم هرب لأن هرب يشعر بالجبن أما فرّ من الاذى مثلاً فلا يشعر بالجبن يقال هاجر فرارًا من الكفار أي من أذى الكفار هذا جائز ما فيه نقص وعلى هذا المعنى قول موسى: {ففررتُ منكُم لمّا خِفتكم} [سورة الشعراء]. |