وقال ابن رجب الحنبليّ في شرحه على <الأربعين النوويّة> المسمّى <جامع العلوم> ما نصّه [1]: "وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا يحلّ إلاّ بيقين حلّه من التّذكية والعقد، فإنْ تردّد في شيء من ذلك لظهور سبب ءاخر رجع إلى الأصل فبنى عليه، فيبني فيما أصله الحرمة على التّحريم ولهذا نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أكل الصّيد الذي يجد فيه الصّائد أثر سهم غير سهمه أو كلب غير كلبه أو يجده قد وقع في ماء، وعلّل بأنّه لا يدري هل مات من السّبب المبيح له أو من غيره" اهـ.
وقد ذكر العلاّمة الفقيه المحدّث الشّيخ عبدالله الهرريّ في كتابه <بغية الطّالب> [2] معاصي البطن ما نصّه: "أكلُ النّجاساتِ من جملةِ معاصي البطن كالدّم المسفوح أي السّائل ولحمِ الخنزير والميتةِ" اهـ.
فإنْ كان أكل لحم الميتة ذكره العلماء أنه من جملة
_____ [1]: <جامع العلوم والحكم> [1/198] عند شرح حديث: "إنّ الحلال بيّن". [2]: <بغية الطّالب> [ص/364] ط 2. معاصي البطن وحرام بنصّ القرءان وأما استعمال شحومها لطلاء السّفن وإضاءة القناديل فلا يحرم وقد مرّت مسئلة الجبن والسّمن تفصيلا وهذا نصّ جواب الإمام حجّة عصره وفريد زمانه الإمام الشّيبيّ عندما سئل عن السّمن المتّخذ من حليب ودهن فأجاب: "إنّ مَن اعتقد أنّ هذا الدّهن سمنٌ مأخوذ من حليب بقر أو غنم ثمّ شكّ هل فيه شحم أو ألية لا يحرم عليه استعمال هذا السّمن ومن علم أنّه مخلوط من السّمن المتّخذ من الحليب ومن الشّحم أو الألية فلا يحلّ له أنْ يستعمله إلاّ بعد معرفة حال الذّابح للبقرة أو الغنم هل هو ممن تحلّ ذبيحته أو لا". وخلاصة ما مضى من البحث العميق وبعد التّحقيق والتّدقيق في هذه المسئلة فهاكم خاتمة مختصرة احتوت على لبّ المسئلة نقول: اتّفق المذاهب الأربعة على أنّه لا يحلّ أكل اللحم إلاّ أنْ يُعلم أنّ مَن ذبح مسلم أو يهوديّ أو نصرانيّ أو ممّا صاده واحد منهم مِن غير ميتة السّمك والجراد وكذلك عند غيرهم من الأئمّة واتّفقوا أيضًا أنّ ما شُكَّ في تذكيته ذكاة شرعيّة فهو حرام بدليل حديث البخاريّ ومسلم عن عديّ بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإنْ أمسك عليك فأدركتَه حيّا فاذبحه وإنْ أدركته قد قُتل ولم يأكلْ منه فكلْه، وإنْ وجدتَ مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنّك لا تدري أيّهما قتله، وإنْ رميتَ سهمك فاذكر اسم الله فإنْ غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكلْ إن شئت، وإنْ وجدته غريقا في الماء فلا تأكلْ" [1]، وفي رواية: "فإنّك لا تدري الماء قتله أمْ سهمك" [2]. فيؤخذ منه أنّه لا يجوز الأكل من اللحم الذي يشكّ في ذابحه مسلم هو أم كتابيّ أو غيرهما أو هل هو مقتول خنقا أو ذبحا أو غير ذلك.
وأمّا حديث عائشة إنّ أناسا من الأعراب حديثي عهد بكفر يأتوننا بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "سمّوا الله أنتم وكلوا" [3] فليس فيه
_____ [1]: هذا لفظ مسلم وقد تقدّم تخريجه عند حديث: "إذا رميتَ الصّيد فوجدته..". [2]: أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصّيد والذّبائح: باب الصّيد بالكلاب المعلّمة [1929/7]. [3]: أخرجه البخاريّ في صحيحه: كتاب الذّبائح والصّيد: باب ذبيحة الأعراب ونحوهم [5507]. دليل لحلّ ما لم يُعلم حال ذابحه أمسلمٌ أم كتابيٌّ أم وثنيّ بل الحديث فيمن هو مسلم لكنّه قريب عهد بالكفر أي أنّه أسلم مِن قريب لم يمضِ عليه منذ أسلم زمان طويل، وقد احتجّ به بعض أدعياء الدّين المحرّفين لهذا الدّين لمحاولة إباحة ذبيحة الوثنيّين كأنّه لم يرَ قول عائشة رضي الله عنها قريبي عهد بكفر. |