 | خطبة الجمعة: [ حال البشر في زمن الانبياء ] |
حال البشر في زمن الانبياء إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونَستغفرُه ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلّ لهُ ومَن يُضلِلْ فلا هادِي لهُ.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ في الألُوهيَّة، الأحدُ الذِي لا يَقْبَلُ الانقِسَامَ ولا التَّجَزُّؤَ لأنَّهُ ليسَ جِسْمًا وَلا يُوصَفُ بِصِفَاتِ الجِسْمِ، الفردُ الصَّمَدُ المستَغْنِي عَنْ كُلِّ ما سِوَاهُ وَالْمُفْتَقِرُ إليهِ كُلُّ ما عَدَاهُ لا يحتاجُ للسَّمواتِ وَلا لِلأَرْضِ وَلا لِشَىْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، خَلَقَ العَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِه وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِه.
وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرّةَ أعيُنِنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُُهُ وصفِيُّهُ وحبيبُه مَن بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومبشِّرًا ونذيرًا، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ الأمَّةَ، جزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جزَى نبيًّا منْ أنبيائِهِ، الصلاةُ والسلامُ عليكَ سيّدِي يا علَمَ الهُدى، يا أبا القاسِمِ يا أبا الزهراءِ يا محمّد، يا حبيبَ قلبي وروحي وفؤادي يا محمّد، يا محمّدُ ضاقتْ حيلَتُنا وأنت وسيلَتُنا أدرِكْنا يا رسولَ اللهِ، أدرِكْنا بإذنِ الله.
أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإنِّي أحُبِّكُم في الله وأوصيكُم ونفسِي بتقوَى اللهِ العليِّ القديرِ. واعلموا أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قالَ في مُحْكَمِ التَّنْـزيلِ: ﴿إنَّ اللهَ اصطَفَى ءادَمَ وَنُوحًا وَءالَ إبرَاهِيمَ وءالَ عِمْرَانَ عَلَى العالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُها من بعضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ سورة ءال عمران / 32، 33، 34.
وقد قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لما أَخْرَجَ اللهُ ءادمَ مِنَ الجَنَّةِ، زَوَّدَهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَثِمَارُكُمْ هذِهِ مِنْ تِلْكَ غَيْرَ أَنَّ هذِهِ تَتَغَيَّرُ وَتِلْكَ لا تَتَغَيَّرُ وَعَلَّمَهُ اللهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَىْءٍ". ءادَمُ عليهِ السلامُ، اللهُ تعالى لَمَّا أخرجَهُ منَ الجنَّةِ أعطَاهُ زَادًا مِنْ ثِمَارِ الجنَّةِ تلك الثِّمَارُ أَكَلَ مِنْهَا وَغَرَسَ، تلكَ التِي خَرَجَتْ مِنَ الجنَّةِ لا تَتَغَيَّرُ أما هَذِهِ تَتَغَيَّرُ. هذهِ ءادَمُ عليهِ السلامُ أكلَ منها ما أَكَلَ والباقِي صَارَ علَى هذِهِ الأَرْضِ لكِنْ تَغَيَّرَتْ، مَا بَقِيَتْ على تِلْكَ الحالِ التِي كَانَتْ في الجَنَّةِ.
وعلَّمَهُ اللهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَىْءٍ الزِّراعَةِ والصِّنَاعَةِ وَالحِدَادَةِ وَالحِيَاكَةِ واستِخْراجِ الذَّهبِ والفِضَّةِ منَ الأَرْضِ وَضَرْبِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير. هُوَ عَلَّمَ الناسَ ضَرْبَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. لَولا ءَادَمُ عليهِ السلامُ لَعَاشَ البَشَرُ في ذلك الوقت كالبَهَائمِ. وَعَلَّمَهُ أُصُولَ المعيشَةِ وَعَلَّمَهُ اللغَاتِ، العَرَبِيَّةَ وغيرَهَا.
أولُ لُغَةٍ عَلَّمَهُ العَرَبِيَّةُ ثُمَّ غَيرها. ثُمَّ ذُرِّيَّتُهُ لَمَّا كَثُرُوا انْتَشَرُوا فِي الجِهَاتِ قِسْمٌ تَوَجَّه إلى جِهَةٍ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ وَقِسْمٌ إلَى جِهَةٍ أخرَى فَصَارُوا يَتَكَلَّمُونَ بلغَةٍ أخرَى، صَلَّى اللهُ وسلَّم على ءادَمَ ونوحٍ وعلَى سَائِرِ الأَنْبِياءِ.
ثم ءادمُ عليهِ السلامُ علَّمَهُمْ الشَّرائِعَ الحلالَ والحرَامَ. كانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا علَّمَهُمْ مِنَ المُحَرَّمَاتِ أربعةُ أَشْيَاء، هذهِ الأربَعَةُ حُرِّمَتْ علَى أولادِ ءادَمَ ثُمَّ حُرِّمَتْ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ وَهِيَ: لَحْمُ الخِنْـزِيرِ وَالْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَمَا أُهِلَّ بهِ لِغَيْرِ اللهِ أي ما يُذْكَرُ علَيْهِ اسمُ غَيْرِ اللهِ، كُلُّ ذبيحَةٍ يُرْفَعُ عليهَا غَيْرُ اسمِ اللهِ حَرَامٌ في شَرْعِ ءادَمَ إلَى شَرْعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلم.
ثمَّ لَمَّا ماتَ ءادمُ عليه السلام اللهُ أنزلَ الوَحْيَ على ولَدٍ من أولادِهِ، على شِيث صَارَ يعلِّمُهُمُ الإسلامَ.
بعدما ماتَ ابنُهُ هذَا أرسَلَ اللهُ تبارَكَ وتَعَالَى نبيًّا اسمُه إدريسُ، كذلِكَ في أيامِهِ كانَ البَشَرُ مسلِمِين.
ثم لَمَّا ماتَ إدرِيسُ كَفَرَ البَشَرُ فصارُوا يَعبُدُونَ خمسةً مِنَ الأَصنامِ كانَتْ صوَرًا لِخَمْسَةٍ منَ الصالِحينَ، هؤلاءِ الخمسةُ كانوا مُؤمنينَ صالحينَ ثم إبليسُ ظهرَ للناسِ وقالَ لهم هؤلاءِ الخمسَةُ اعمَلُوا لَهُم صُوَرًا لِلذِّكرَى، ثم جاءَهُم فقالَ لَهُمْ هؤلاءِ يَسْتَحِقُّونَ أن يُعبَدُوا فاعبُدُوهم فعبَدُوهُم.
ثم أرسَلَ اللهُ تباركَ وتعالَى نُوحًا عليهِ السلامُ يدعوهُمْ إلَى الإسلامِ، مَا ءامَنَ بهِ سوَى ثَمانِينَ شَخْصًا تَقْرِيبًا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، اللهُ تبارَكَ وتعالى أَوْحَى إليهِ أنهُ لا يُؤْمِنُ بِكَ بَعْدَ هؤلاءِ أَحَدٌ فصارَ يدعُو عَلَيْهِم، ثم اللهُ تبارَكَ وتعالَى أوحَى إليهِ أن يَعْمَلَ سفينَةً علَى اليَابِسَةِ ليسَ علَى الماءِ ثم هذهِ السَّفِينَةُ أَدْخَلَ فيهَا مِنَ البَشَرِ وَالبَهَائِمِ. ثمَّ الماءُ طَلَعَ مِنَ الأرضِ ونزَلَ منَ السماءِ غَطَّى كُلَّ الأرضِ فأهلَكَ مَنْ عَلَى الأَرْضِ الصِّغارَ وَالكِبَارَ حَتَّى الرُّضَّع أكَلَهُمُ الماءُ.
بعدَ سِتَّةِ أشهُرٍ وزيادَةٍ، اللهُ تبارك وتعالى أَنْضَبَ الماءَ وَنَزَلَتِ السفينَةُ على جَبَلٍ فِي العِراقِ، ثم لَمَّا نَضَبَتِ الأَرْضُ نزلُوا مِنَ السفينَةِ. ثم هؤلاءِ المسلمونَ الذينَ نَزَلُوا ما تَوالَدَ مِنْهُمْ إلا ثَلاثَةٌ وَهُمْ أَوْلادٌ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكُلُّ البَشَرِ مِنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ.
ثم هؤلاءِ وبعدَ وَقْتٍ لَمَّا مَاتُوا أَرْسَلَ اللهُ تبارَكَ وتعالَى نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ اسمُهُ هُودٌ مِنَ اليَمَنِ، الآنَ قَبْرُهُ في اليَمَنِ النَّاسُ يَزُورُونَه. ثم هو أيضًا صارَ يَدْعُو الذينَ كَفَرُوا بعدَ إهلاكِ قَومِ نُوحٍ، صارَ يدعوهُم إلَى اللهِ. فَلَمْ يُؤْمِنْ بِِه إلاَّ القليلُ وكذَّبَ بِهِ البَاقُونَ فَسَلَّطَ اللهُ تعالَى عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فأبادَتْهُمْ وَبَقِيَ منهُمْ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا. ثُمَّ تَكَاثَرَتْ ذُرِّيَّتُهُم.
ثم من ذلكَ الوقتِ لَمْ يَخْلُ زمانٌ إلا وَبَشَرٌ مُؤمنُون وبشر غيرُ مؤمنين، يومَ القيامَةِ البَشَرُ تسعٌ وتسعونَ للنَّارِ وقسمٌ واحدٌ للجنَّةِ، والجنٌّ كذلكَ أغلبهم غير مؤمنين، لكن في وقتِ نزولِ عيسَى عليهِ السلامُ الناسُ كلُّهم يُسْلِمُون، والكفارُ يهلكونَ، ثم بعدَ أربعينَ سنةً يموتُ عيسَى عليه السلامُ فيُدْفَنُ في المدينةِ.
ثم بعدَما يموتُ عيسَى عليه السلامُ يعودُ الكفرُ في البَشَرِ حتى لا يُوجَدَ في البَشَرِ أحدٌ مُؤْمِنٌ. وَتَقُومُ
السَّاعَةُ عليهِمْ، فيصِيحُ فيهِمْ إسرافِيلُ عليهِ السلامُ فيَمُوتُ البَشَرُ كلُّهُمْ. الواحِدُ منهُمْ يَرْفَعُ اللقمَةَ لِيَبْلَعَهَا قَبْلَ أن يَبْلَعَهَا تُزْهَقُ روحُه من صَوتِ إسرافيلَ عليهِ السلامُ. وهكذا بعضُ الناسِ هذا يكونُ يَعْمَلُ في شغلٍ وهذا يأكُلُ ونحو ذلك فمن صَيْحَةِ إسرافيلَ من هذا الصَّوتِ البَشْرُ يَهْلِكُ كُلُُّهُم. اللهمَّ اختِمْ لنا بالإِيمانِ، اللهمَّ اختِمْ لنا بالإِيمانِ، اللهمَّ اختِمْ لنا بالإِيمانِ. هذا وأستغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبَةُ الثَّانِيَةُ:
إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّـئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه صلَّى اللهُ عليهِ وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.
أما بعد عبادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونفسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ. واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا﴾ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿يا أيُّها الناسُ اتَّقـوا رَبَّكـُم إنَّ زلزَلَةَ الساعَةِ شَىءٌ عَظِيمٌ يومَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى ومَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عذابَ اللهِ شَديدٌ﴾، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فبجاه محمّد استجبْ لنا دعاءَنا، اللهم بجاه محمّد اغفرِ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا،
آخر تعديل بواسطة اويس القرشي ، 09-10-2008 الساعة 03:26 PM.
السبب: تعديل
آخر تعديل بواسطة اويس القرشي ، 09-10-2008 الساعة 03:26 PM.
السبب: تعديل
|