الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم
|- الطبعة الرابعة 1423هـ / 2002ر -|
-| بسم الرحمن الرحيم |-
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، والصلاة والسلام على محمد سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى ءاله الطاهرين وصحابته الطيبين.
بسم الله أي أبتدئ باسم الله ولفظ الجلالة [الله] علم للذات المقدس المستحق لنهاية التعظيم وغاية الخضوع، ومعناه من له الإلهية وهي القدرة على الاختراع أي إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود، والرحمن معناه الكثير الرحمة بالمؤمنين والكافرين في الدنيا، وبالمؤمنين في الآخرة، أما الرحيم فمعناه الكثير الرحمة بالمؤمنين.
قال المؤلف رحمه الله: الصراط المستقيم.
الشرح: أي هذا بيان للصراط المستقيم أي للطّريق الحق.
الشرح: الحمد معناه الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم. ومعنى الجميل الاختياري أي الشيء الذي أنعم به على عباده من غير وجوب عليه.
قال المؤلف رحمه الله: والصلاة والسلام على رسول الله.
الشرح: الصلاة هنا معناها التعظيم أي نطلب من الله تعالى أن يزيد سيدنا محمداً تعظيما، وأما السلام فمعناه الأمانُ أي نطلب من الله لرسوله الأمان مما يخافه على أمته.
قال المؤلف رحمه الله: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [سورة الحشر].
الشرح: أي لينظر المرء ما يعد ويقدم لأخرته من العمل الصالح، والآخرة ينفع فيها تقوى الله.
والتقوى هي أداء الواجبات واجتناب المحرمات، ومن جملة الواجبات تعلم العلم الشرعي، فلا يكون العبد من المتقين ما لم يتعلم ما فرض الله على عباده معرفته من علم دينه، فلا يكون مثل هذا متقيا مهما أتعب نفسه في العبادات وجاهد نفسه بتحمل مشقات العبادة وكفها عن هواها.
وأكثر المتصوفة اليوم لا يطلبون العلم الشرعي إلى القدر الكافي إنما يميلون إلى الإكثار من الذكر فهؤلاء لا يصيرون من أولياء الله الصالحين مهما تعبوا ومهما صحبوا أولياء الله وخدموهم إلا إذا أتتهم نفحة فيتعلمون ويجدون في العمل، فهؤلاء من أهل العناية، وأما الذين بقوا على ما هم عليه من الجهل وظنوا أنهم يصلون إلى الله بالذكر ومحبة الأولياء فهم مخدوعون.
وقوله تعالى: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} فيه دليل على محاسبة العبد نفسه، ومعنى الغد هو الآخرة.
قال المؤلف رحمه الله: وقال علي رضي الله عنه وكرم وجهه: "اليوم العمل وغدا الحساب"، رواه البخاري في كتاب الرقاق.
الشرح: قول: "كرم وجهه" عن سيدنا علي استحدثه الناس بعد مائة سنة أو أكثر من وفاة علي، ولا بأس بقوله وقول عليه السلام. وليس قول "كرم الله وجهه" خاصا بسيدنا علي لأنه لم يسجد لصنم كما يظن بعض الناس بل يوجد غيره في الصحابة من لم يسجد لصنم كعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما وفيهم من ولد ضمن الكعبة كما ولد عليٌّ في الكعبة فإن حكيم بن حزام ولد في الكعبة.
وتمام الرواية التي رويت عن سيدنا علي: "ارتحلت الدنيا وهي مدبرة وارتحلت الآخرة وهي مقبلة فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، اليوم العمل ولا حساب وغدا الحساب ولا عمل".
ومعنى قوله: "ارتحلت الدنيا" أي سارت الدنيا، ومعنى "مدبرة" أي الدنيا سائرة إلى الانقطاع والآخرة سارت مقبلة فالدنيا دار العمل، والآخرة دار الجزاء على العمل، دار الحساب وليست دار العمل. والرقاق كتاب مخصوص في أواخر الجامع المسند للبخاري.
قال المؤلف رحمه الله: أعظم حقوق الله على عباده.
إعلم أن أعظم حقوق الله تعالى على عباده هو توحيده تعالى وأن لا يشرك به شيء، لأن الإشراك بالله هو أكبر ذنب يقترفه العبد وهو الذنب الذي لا يغفره الله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [سورة النساء].
الشرح: معرفة الله تعالى مع إفراده بالعبادة أي نهاية التذلل هو أعظم حقوق الله على عباده، وأكبر ذنب يقترفه العبد هو الكفر وهو على نوعين: كفر شرك وكفر غير شرك، فكل شرك كفر وليس كل كفر شركاً. لذلك كان أعظم حقوق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.
والكفر أكبر الظلم قال الله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فظلم الكافر بكفره أعظم من قتل المسلم ءالاف الآلاف من المسلمين من غير استحلال لقتلهم.
وقد أخبر الله تعالى أنه يغفر كل الذنوب لمن شاء من عباده المسلمين المتجنبين للكفر بنوعيه الإشراك بالله تعالى الذي هو عبادة غيره، والكفر الذي ليس فيه إشراك كتكذيب الرسول والاستخفاف بالله أو برسوله مع توحيد الله تعالى وتنزيهه. ومما يدل على ذلك أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب" قالوا: وما وقوع الحجاب يا رسول الله؟ قال: "أن تموت النفس وهي مشركة" رواه أحمد وابن حبان وصححه .
فالكفر بجميع أنواعه هو الذنب الذي لا يغفره الله أي لمن استمر عليه إلى الموت أو إلى حالة اليأس من الحياة برؤية ملك الموت وملائكة العذاب أو إدراك الغرق بحيث أيقن بالهلاك ونحوه فذاك ملحق بالموت.
فالحاصل أن الكفر لا يغفر إلا بالإسلام في الوقت الذي يكون مقبولا فيه، فمن أسلم بعد الوقت الذي يقبل فيه فلا يمحو إسلامُه كفرَه. فالكفر هو أعظم الذنوب، وبعده قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. وأما قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [سورة البقرة] أي الشرك أشد من القتل، فالشرك هو أعظم الظلم لقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [سورة لقمان] وقوله: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ومعناه أكبر الظلم هو الكفر.
قال المؤلف رحمه الله: وكذلك جميع أنواع الكفر لا يغفرها الله لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [سورة محمد].
الشرح: هذه الآية فيها النص على أن من مات كافرا لا يغفر الله له. وهذا يؤخذ من قوله تعالى: {ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} لأن هذا قيد لعدم المغفرة لهم.
ومعنى: {وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي ومنعوا الناس من الدخول في الإسلام، وليس هذا شرطا للحرمان من المغفرة بل الكافر محروم من المغفرة إن منع الناس من الإسلام أو لم يمنع بل ولو ساعد المسلمين في إدخال الناس في دينهم، لكن الكافر الذي يصد الناس من الإسلام أشد ذنبا من الكافر الذي يكفر بنفسه ولا يصد غيره عن الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"، رواه البخاري ومسلم.
الشرح: هذا الحديث الصحيح اتفق على إخراجه البخاري ومسلم في كتابيهما المعروفين بين الأمة الإسلامية، ومعناه يتضمن أن الإنسان إذا مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وتجنب عبادة غيره وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ويشهد أن الجنة حق وأن النار حق-أي موجودتان - يدخله الله الجنة على ما كان من العمل أي ولو كان من أهل الكبائر.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "وكلمته ألقاها إلى مريم" أن المسيح بشارة الله لمريم التي بشرتها بها الملائكة بأمره قبل أن تحمل به، فإن الملك جبريل بشرها به فقال لها أنا رسول من الله لأعطيك غلاما زكيا أي طيبا.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وروح منه" معناه أن روح المسيح روح صادرة من الله تعالى خلقا وتكوينا، أي روحه روح مشرف كريم على الله، وإلا فجميع الأرواح صادرة من الله تعالى تكوينا لا فرق في ذلك بين روح وروح وكلمة "روح منه" ليس معناها ان المسيح عيسى جزء من الله إنما معناها روح وجدت بإيجاد الله أي اللهُ أوجدها من العدم ليس معناها أنه جزء من الله كما ادعى بعض ملوك النصارى احتج بهذه الآية على أن المسيح جزء من الله فرد عليه القاضي أبو بكر الباقلاني بهذه الآية: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثـية] فسكت ذلك الملك لأن كلمة [منه] في النصين موجودة، فكما أنها لا تدل في الآية على أن ما في السموات وما في الأرض جزء من الله كذلك لا تدل كلمة: {منه} في ءاية: {وروح منه} على أن روح الله جزء من الله.
ومعنى الآية الثانية أن الله تعالى سخر لبني ءادم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه أي أن جميع ما في السموات وما في الأرض من الله خلقا وتكوينا. وليس المعنى أنها أجزاء منه تعالى. فالملائكة مسخرون لبني ءادم بحفظهم لهم وغير ذلك كإنزال المطر وإرسال الرياح التي ينتفعون بها والدعاء لهم أي للمؤمنين من بني ءادم خاصة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: "والجنة حق والنار حق" معناه أنهما موجودتان وباقيتان وأنهما دارا جزاء، فالجنة دار جزاء للمؤمنين، والنار دار جزاء للكافرين.
الله يرزقك الجنة بجاه أفضل الخلق محمد عليه الصلاة و السلام و ببركة هذا العمل العظيم النفع.
كتاب الصراط المستقيم من أهم مؤلفات الشيخ عبد الله الهرري حفظه الله مجدّد هذا العصر, و شرحه شرح متقن.
وفّقك الله لمّا يحبه و يرضاه و إلى الأمام بإذن الله.
بارك الله فيكم ..ملفت للنظر ومريح للقراءة اسلوب التنسيق الذي تعبتم عليه زيادة على تعب الطبع فجزاكم الله الخير ووفقكم لما يحب , لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَة
قال المؤلف رحمه الله: وفي حديث ءاخر: "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" رواه البخاري.
الشرح: المعنى أن "الله تعالى حرم على النار أي الدوام فيها إلى الأبد من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله أي إن قال ذلك معتقدا في قلبه لا منافقا ليرضي المسلمين وهو في قلبه غير راض بالإسلام إما بشكه في الوحدانية أو بتكذيبه في قلبه محمدا صلى الله عليه وسلم.
ومعنى "يبتغي بذلك وجه الله" أي يبتغي القرب إلى الله تبارك وتعالى ليس لمراءاة الناس بدون اعتقاد، والوجه في لغة العرب يأتي بمعان عديدة منها القصد كما قال الشاعر:
أستغفر اللهَ ذنبا لستُ محصيَهُ ... ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ
أي القصد. وكذلك ورد حديث رواه ابن حبان وغيره وهذا لفظ ابن حبان: "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون المرأة إلى وجه الله إذا كانت في قعر بيتها" ومعنى وجه الله هنا طاعة الله.
ومن اعتقد أن الوجه إذا أضيف إلى الله في القرءان أو في الحديث معناه الجسد الذي هو مركب على البدن فهو لم يعرف ربه لأن هذه هيئة الإنسان والملائكة والجن والبهائم فكيف يكون خالق العالم مثلهم. فالله ليس حجما بالمرة، لا هو حجم لطيف ولا هو حجم كثيف لأن العالم حجم كثيف وحجم لطيف . ثم هذا الحجم له صفات حركة وسكون وتغيّر ولون وانفعال وتحيّز في المكان والجهة والله تعالى ليس كذلك إنما هو موجود غير متحيز في الجهات والاماكن لأنه كان موجودا قبلها ولو لم يكن كذلك لكان له أمثال في خلقه.
قال المؤلف رحمه الله: ويجب قرن الإيمان برسالة محمد بشهادة أن لا إله إلا الله وذلك أقل شيء يحصل به النجاة من الخلود الأبدي في النار.
الشرح: إن اعتقاد أن لا إله إلا الله وحده لا يكفي ما لم يقرن باعتقاد أن محمدا رسول الله، فالجمع بين الشهادتين ضروري للنجاة من الخلود الأبدي في النار. والمراد بهذا الحديث الذي مرّ ءانفا وما أشبهه من الأحاديث التي لم يذكر فيها شهادة أن محمدا رسول الله ما يشمل الشهادة الأخرى لأن ذكر الشهادة الأولى صار في عرف الشرع ملحوظا فيه الشهادة الثانية وهي شهادة أن محمدا رسول الله، وليس المعنيُّ بهذا الحديث وشبهه أن الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله بدون الشهادة الأخرى يكفي للنجاة من الخلود الأبدي في النار بل لا بد من الجمع بين الشهادتين وذلك بدليل قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً} [سورة الفتح]. فتحمل هذه الأحاديث على ما يوافق هذه الآية، فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتي مناقضا للقرءان ومن توهم خلاف ذلك فهو لقصور فهمه وشدة جهله.